الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٨٧ - الموضع الأوّل في المرجّح الخارجي البالغ حدّ الحجّيّة
..........
و مستند الآخرين: أنّ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد، و حمل كلام الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى، و هذا يحصل بترجيح المقرّر، لأنّ ترجيح الناقل يستدعي تقديم المقرّر في الصدور فيكون تأكيدا و هو إخراج لكلامه عن الفائدة أو حمل له على أقلّ فائدة، و ترجيح المقرّر يقتضي تقديم الناقل عليه في الصدور فيكون فائدته رفع حكم العقل و إذا تأخّر عنه المقرّر يكون فائدته رفع حكمه، فأفاد كلّ منهما فائدة فتكثّرت الفائدة فكان أولى.
و في الجميع ما لا يخفى من الضعف، فإنّ المفروض أنّ الخبرين من جهة الحجّية و شمول أدلّتها لهما متساويان و لا مزيّة لأحدهما على الآخر أصلا، فجعل الناقل ناسخا ليس بأولى من العكس، مع أنّ جعل رفع حكم العقل من النسخ المأخوذ فيه رفع الحكم الشرعي كما ترى، كما أنّ أولويّة التأسيس من التأكيد- بعد تسليمها- لا تصلح دليلا على تعيين المرجع سندا، فإنّها قاعدة لو سلّمناها كانت جارية في كلام متكلّم اشتبه مقصوده و دار بين كونه تأسيسا أو تأكيدا، فيقال حينئذ: إنّ التأسيس أولى، إذ الظاهر في كلّ كلام بملاحظة الغلبة نوعا أو صنفا الإفادة دون الإعادة، فهذا من مرجّحات الدلالة و لا مجرى له فيما نحن فيه.
و بالجملة الاستناد إلى أمثال هذه الاعتبارات في نظائر المقام في غاية الإشكال بل لا وجه له، فالأولى الرجوع إلى سائر القواعد الكلّية العامّة، و ينبغي أوّلا النظر في أنّ حمل أحد الخبرين على كونه ناسخا و الآخر منسوخا هل هو جائز أو لا؟ و على الأوّل فهل يصلح طريقا للجمع بينهما أو لا؟
فنقول: إن كان الخبران عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاز كون أحدهما ناسخا و الآخر منسوخا، فإن علم تاريخهما من حيث التقدّم و التأخّر كان المتأخّر ناسخا و المتقدّم منسوخا، فيؤخذ بالمتأخّر سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له.
و بعبارة اخرى: يقدّم المتأخّر ناقلا كان أو مقرّرا.
و إن جهل التاريخ جرى احتمال الناسخيّة و المنسوخيّة في كلّ منهما على نهج سواء، فيكونان كالعامّين من وجه إذا احتمل في كلّ منهما كونه مخصّصا للآخر، فلا بدّ من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، و مجرّد موافقة الأصل و مخالفته لا تصلح معيّنة، فيكون الأصل حينئذ مرجعا.
و إن كان عن الأئمّة (عليهم السلام) فإن جوّزنا النسخ في أخبارهم جرى فيه التفصيل المتقدّم،