الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٧٥ - المقام الثاني فيما يتعلّق بتعارض مرجّح جهة الصدور لمرجّح الدلالة
..........
أمّا الأوّل: فلأنّ إشكال التعارض ينشأ من شبهة الدلالة فلا يرجع فيها إلى المرجّحات الواردة في أخبار الترجيح الراجعة تارة إلى الصدور و اخرى إلى جهته و ثالثة إلى المضمون.
و توضيحه: أنّ التعارض ممّا يوجب التحيّر في العمل بالمتعارضين، و هو قد يحصل بالنسبة إلى الصدور أو جهته مثلا، فلا يدرى أنّ أيّا من الخبرين صدر أو أيّا منهما لم يصدر، أو أنّ أيّا منهما صدر على وجه بيان الواقع و أيّا منهما صدر على وجه التقيّة، و قد يحصل بالنسبة إلى الدلالة بعد إحراز السند بعنوان القطع أو الظنّ أو التعبّد فلا يدرى أنّ أيّا منهما اريد ظاهره و أيّا منهما اريد خلاف ظاهره، فإن كان الخبر من قبيل القسم الأوّل لا بدّ فيه من الرجوع إلى قواعد الترجيح و إعمال المرجّحات الواردة في الأخبار المستلزم لطرح أحد السندين، و مع فقدها فالتخيير المستلزم للطرح أيضا، و لذا ورد في سؤالات هذه الأخبار قوله: «بأيّهما آخذ؟»- أو «بأيّهما نأخذ؟» نظرا إلى أنّ كلمة «أيّ» سؤال عن التعيين، فتكون قاضية بأنّ تعيّن طرح أحد السندين كان مفروغا عنه عند السائل و سؤاله إنّما كان عن تعيينه، و صدر الجواب عن الأئمّة عليهم [السلام] على حسب ما زعموه بذكر المرجّحات الّتي وجودها و فقدها معيار الأخذ و الطرح بقولهم: «خذ بكذا، و اترك كذا، و تخيّر إذن».
و إن كان من قبيل القسم الثاني فلا بدّ من الرجوع إلى القرائن الخارجيّة المعتبرة في إحراز الدلالة و تشخيص المراد، و على تقدير عدم وجودها لا مناص من الوقف اجتهادا و الأخذ بالاصول على حسب ما يناسب المقام عملا.
و الظاهر أنّه في تعارض العامّين من وجه بل و مطلق الظاهرين من قبيل القسم الثاني كما في مقطوعي الصدور، إذ الكلام بعد تنزيلهما منزلة مقطوعي الصدور و فرض صدورهما- أخذا بموجب أدلّة حجّية السند- فالتحيّر حينئذ من جهة الدلالة، للعلم الإجمالي بإرادة خلاف ظاهر أحدهما و هو غير معيّن، فلا منافاة في أدلّة الترجيح و التخيير للأخذ بالسندين هنا حتّى تكون مانعة عن الأخذ، مع أنّ السند الّذي يطرح على ما هو اللازم من الترجيح أو التخيير إن اعتبر بالقياس إلى تمام مدلول أحد العامّين فهو ممّا لا داعي إليه، لإمكان العمل بهما معا في مادّتي افتراقهما، و إن اعتبره بالقياس إلى بعض مدلوله و هو مورد الاجتماع فهو غير معقول لأنّ السند لا يتبعّض، و الأصل فيه أنّ العامّ الصادر عن المتكلّم إنّما يصدر صدورا واحدا يتساوى نسبته إلى جميع الأفراد، فلا يعقل الأخذ به بالنسبة إلى بعض الأفراد و طرحه بالنسبة إلى البعض الآخر.