الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٤٥ - الموضع الرابع ما ينشأ ممّا ورد في بعض الأخبار من الترجيح بالأحدثيّة،
..........
و في معناه مرسلة الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
«أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟
قال كنت آخذ بالأخير، فقال لي: رحمك اللّه تعالى».
و وجه الإشكال: أنّ أحدثيّة أحد الخبرين و تأخّر صدوره عن الآخر لا مدخليّة لها في الترجيح، و ليست مزيّة في الخبر المتأخّر لتوجب تعيّن الأخذ به، فما معنى الترجيح بها؟
و يمكن الذبّ عن هذا الإشكال: إمّا بأن يقال: إنّ هذا تعبّد من الشارع فيجب علينا اتّباعه و إن لم نعلم حكمته كسائر موارد التعبّد.
أو يقال: بكون ذلك من باب النسخ حيثما اجتمع شرائطه، فيكون الخبر المتأخّر ناسخا، و من حكم الناسخ تعيّن الأخذ به، بناء على جوازه بعد انقطاع الوحي، مع كون معنى ناسخيّة المتأخّر كشفه عن انتهاء مدّة الحكم في وقت صدوره، و قد أخبر به النبيّ وصيّه في زمان الوحي و أعلمه إيّاه و أمره بإظهاره في وقته، كما يشهد له موثّقة محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» و لكن يأباه قوله-: «أبي اللّه إلّا أن يعبد سرّا- إلى قوله-: أبي اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة».
أو يقال: بخروج الخبرين مخرج التقيّة العمليّة الراجعة إلى الراوي المخاطب لا التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام (عليه السلام) في البيان مع تردّدها بين الخبر المتقدّم أو الخبر المتأخّر و تعيّن التعبّد بالمتأخّر على التقديرين.
و السرّ في ذلك: أنّ موجب التقيّة في حقّه إن كان متحقّقا حال صدور الأوّل كان الثاني صادرا على جهة بيان الواقع، و إن كان متحقّقا حال صدور الثاني كان ذلك الثاني صادرا على جهة التقيّة، و على التقديرين يجب التعبّد به.
و بعبارة اخرى: إنّ في زمان صدور الأخير إن لم يكن موجب التقيّة متحقّقا في حقّه وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الواقعي، و إن كان متحقّقا وجب عليه اتّباعه على أنّه الحكم الظاهري التابع للتقيّة.
و أمّا احتمال تعيّن التعبّد بالأوّل فممّا يقطع بانتفائه، لاستلزامه كون الأخير صادرا على جهة التقيّة القوليّة المخصوصة بالإمام (عليه السلام)، أو كونه صادرا على جهة اللغويّة، و الأوّل خلاف الفرض و الثاني محال على المعصوم الحكيم.