الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٤٦٣ - المقام الثاني الشروط الخلافية
..........
كلّ منهما الواقع، إلّا أنّ فتوى الأعلم لزيادة بصيرته بمدارك الأحكام و معارضاتها و أقوائيّة ملكة استنباطه أغلب مصادفة له فيكون أقرب إليه من فتوى غير الأعلم، و جعل هذه الأقربيّة مرجّحة حينئذ لا ينافي كون العمل بالفتوى من باب التعبّد، لأنّ معناه أنّ المقلّد يجب عليه الأخذ بها و إن لم تفد له الظنّ بالواقع، بل و إن حصل له الظنّ بواسطة أمارة بخلافها، غاية ما هنالك لزوم حمل كون الظنّ الحاصل من قول الأعلم أقوى، على إرادة كون قوله أقوى سببا لإفادة الظنّ، و إن كان لا يخلو عن تكلّف.
السادس: قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ فإنّه تنفي المساواة بين من يعلم و بين من لا يعلم، و المفضول لنقصان علمه يصدق عليه أنّه لا يعلم، و الأعلم باعتبار زيادة علمه يصدق عليه أنّه يعلم، فلو جاز تقليد غير الأعلم كما يجوز تقليد الأعلم لزم المساواة بينهما، و اللازم باطل بنصّ الآية.
و فيه أيضا ضعف، أمّا أوّلا: فلأنّه ليس في نفي المساواة عموم لفظي أو عقلي يوجب تناول الآية لمثل مقام الإفتاء و القضاء و غيرهما من المناصب الشرعيّة، خصوصا مع ملاحظة ما في كلام بعض أهل التفسير من تفسيرها بأنّه هل يستوي الّذين يعلمون نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الّذين لا يعلمون نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و أمّا ثانيا: فلمنع كون مناط الأعلميّة و عدمها العلم بمعنى الإدراك الفعلي و عدمه، بل مناطها على ما سنحقّقه أقوائيّة ملكة الاستنباط و عدمها.
و لا ريب أنّ الاختلاف بين المجتهدين في زيادة الإدراك الفعلي و نقصانه لا ينافي التساوي بينهما في الملكة، فلو أخذ بظاهر الآية لزم الترجيح بمجرّد زيادة العلم مع التساوي في الملكة و هو غير جيّد على ما سنذكره، إلّا أن يخصّص بصورة زيادة العلم إذا صادفت أقوائيّة الملكة ثمّ يتمّم في صورة التساوي في العلم و الاختلاف في الملكة بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، هذا مع تطرّق المنع إلى صدق «من لا يعلم» على غير الأعلم، لظهور «لا يعلمون» في السلب الكلّي المناقض للإيجاب الجزئي، و لصدق «يعلمون» مع الإيجاب الجزئي.
و المفروض أنّ غير الأعلم يعلم في الجملة، فهو مندرج في إطلاق «يعلمون» لا في قوله: «لا يعلمون»، و لذا قد يستدلّ بالآية على مساواته للأعلم المقتضية لجواز الرجوع إليه مع وجود الأعلم كما ستعرفه.