الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٤٥٦ - المقام الأوّل في بيان الشروط الوفاقيّة
..........
و الظاهر أنّه وفاقيّ بل قيل إنّهم نقلوا الإجماع على اشتراط بقاء الاجتهاد، و عليه فلو عرضه مرض يختلّ به ملكته أو إدراكاته أو ملكته و إدراكاته معا لم يجز البقاء على تقليده بل يجب العدول إلى غيره، و قضيّة اشتراط بقاء الاجتهاد أن يشترط بقاء حياته إذ لا يعقل بقاء الاجتهاد مع عدم بقاء الحياة.
و من هنا يتوجّه الإشكال إلى القائلين بعدم اشتراط حياة المفتي أو عدم اشتراط بقاء حياته من حيث إنّ بقاء الاجتهاد منوط ببقاء الحياة و زوال الحياة يستلزم زوال الاجتهاد و الواسطة بينهما غير معقولة، فإنّ الموت أشدّ و أصعب من جميع ما يمكن فرض عروضه من الأمراض، و إذا أمكن اختلال الإدراكات بعروض المرض فاختلالها بعروض الموت بطريق أولى.
و ممّا يرشد إلى ذلك أنّ الإدراكات الحاصلة حال الحياة إنّما حصلت بواسطة آلات هي القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة المنوطة ببقاء تعلّق الروح بالبدن، فإذا انقطع التعلّق بمفارقة البدن انعدمت هذه القوى جزما و معه كيف يصحّ بقاء الإدراكات؟
و يؤيّد ذلك أيضا ما قيل: من أنّ الموت ليس إلّا فناء الأخلاط الأربعة.
و من المعلوم بالوجدان و التجارب و تصريح أهل الخبرة أنّ لبعضها مدخليّة في الإدراك حدوثا و قوّة و ضعفا، فإنّ خلط الصفراء يوجب جودة الذهن و سرعة الانتقال، و السوداء توجب الحفظ، و البلغم يوجب البلادة و بطء الانتقال فغناؤها يوجب زوال الإدراكات، و ممّا يشهد أيضا بأنّ القوّة الحيوانيّة و الإنسانيّة لها مدخليّة في الإدراك أنّه كلّما قويت هذه القوى قوي الإدراكات و كلّما ضعفت ضعفت الإدراكات كما في حالة الهرم، فإنّه إذا تكامل قد يبلغ بالإنسان إلى أن يعود إلى حالة الطفوليّة فينتقص عقله و يختلّ فهمه، و تضعف قواه و ملكاته، و تزول علومه و إدراكاته، و تعود معلوماته إلى مجهولات، كما يشير إليه قوله عزّ من قائل: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.
فقضيّة هذا كلّه اختلال إدراكات المجتهد بالموت و عدم بقائها لا محالة، لا على معنى أنّ الروح بعد مفارقة البدن لا إدراك له، بل بمعنى أنّ إدراكاته الحاصلة حال الحياة غير باقية بعد الممات.
فالقول بعدم اشتراط بقاء الحياة يؤول إلى القول بعدم اشتراط بقاء الاجتهاد، و انتظر لتتمّة الكلام في ذلك في مسألة تقليد الميّت.