الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٤٠٢ - تعليقة- في عبادات الجاهل الغير المراعي للاحتياط
..........
التكليف، على معنى صيرورة الخطابات المعلومة بالإجمال تكاليف فعليّة على المكلّف شاغلة لذمّته على وجه يترتّب على موافقتها و مخالفتها الثواب و العقاب.
و بالجملة شرط تنجّز التكليف و ترتّب الآثار عليه في نظر العقل و العرف إنّما هو العلم الإجمالي بصدور الخطاب من المولى مع التمكّن من العلم التفصيلي بخصوص الحكم المسوق لإفادته هذا الخطاب كما تنبّه عليه بعض الفضلاء، و لذا يحسّن العقل المستقلّ مؤاخذة العالم بالإجمال المتمكّن من التفصيل على مخالفته الحكم الواقعي المندرج في معلوماته بالإجمال و يصحّحها، و يرشد إليه من جهة العرف مثال الطومار الصادر من السلطان إلى رعيّته مع اطّلاع البعض على صدوره و عدم رجوعه إليه لمعرفة تفاصيله و عدم اطّلاع بعض آخر عليه أصلا فصادف مخالفتهما لبعض الأحكام المندرجة فيه حيث يصحّ مؤاخذة الأوّل دون الثاني، و ليس هذا إلّا لإقامة الحجّة على الأوّل باعتبار تحقّق شرط تنجّز التكليف في حقّه دون الثاني.
و يدلّ عليه أيضا من جهة الشرع ما عليه العدليّة و نطق به الكتاب و السنّة من كون الكفّار مكلّفين بفروع الشريعة كما أنّهم مكلّفون باصولها، فيعاقبون عليها كما يعاقبون على الاصول مع جهلهم بتفاصيل أكثر الفروع بل كلّها، و لو لا الاكتفاء بالعلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي لما صحّ ذلك.
و يستفاد ذلك أيضا من الروايات الواردة في موارد خاصّة:
منها: ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رجلا جاء إليه فقال له: إنّ لي جيرانا لهم جواز تغنّين و يضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا لهنّ، فقال (عليه السلام): لا تفعل، فقال: و اللّه ما هو شيء أتيته برجلي إنّما هو سماع منّي أسمعه باذني، فقال (عليه السلام): أنت أ ما سمعت اللّه يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و قال الرجل: كأنّي لا أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ و جلّ من عربي و لا عجمي، لا جرم فإنّي قد تركتها و إنّي أستغفر اللّه، فقال (عليه السلام): «قم فاغتسل و صلّ ما بدا لك، فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، استغفر اللّه و اسأله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا القبيح فالقبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلا».
فانظر في صراحة دلالة هذا في مواضع متكرّرة على كون الرجل مقيما على معصية عظيمة مع جهله بخصوص الحكم، و ليس هذا إلّا لتمكّنه من المعرفة و السؤال