الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٧١ - مشروعيّة التقليد
..........
و من الإجماع:- فبعد ما سمعت من الإجماعات المنقولة المستفيضة من أساطين الطائفة الّتي هي بانفرادها حجّة مستقلّة المعتضدة بظهور الإجماع القولي- بناء المسلمين و عملهم خلفا عن سلف في جميع الأمصار و الأعصار من لدن بناء نشر الأحكام إلى يومنا هذا على رجوع العوامّ إلى الفقهاء و مسألتهم، و الأخذ بتفاويهم من دون نكير و لا استنكار على وجه يكشف عن تقرير المعصومين (عليهم السلام) و رضاهم، مع القطع بعدم كون ذلك في جميع فروض المسألة بطريق الرواية و لا التنبيه على مدرك الحكم، و لا لأجل إحراز دليله، لعدم استقلال كلّ واحد من آحاد العوام حتّى أهل البوادي و القرى و الرساتيق بفهم أصل الحكم و لا استخراجه من المدرك من كتاب أو سنّة أو نحوهما، و لا تمكّنه من إحراز دليله من إجماع و نحوه.
و بذلك كلّه يندفع ما عرفت عن ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من منع كون فائدة الإجماع على وجوب رجوع العامي إلى المفتي العمل بقوله، للقطع بانتفاء غير هذه الفائدة في معقد الإجماع العملي، مع قصور أكثر العوامّ عن فهم الإجماع و إحراز مناط حجّيته و عدم إمكان اطّلاعهم عليه بمجرّد الاطّلاع على فتيا المفتين، مع كون أكثر المسائل خلافيّة، مع أنّ الإجماعات المنقولة في كلام أساطين الطائفة إنّما نقلت على مجرّد العمل و القبول.
و من العقل: دليل الانسداد، فإنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة على المجتهدين المعلومة بالإجمال مشتركة بينهم و بين العوامّ، و باب العلم بها مسدود، بل انسداده للعوامّ أوضح و موارد فقد طرقه لهم أكثر، و البناء على أصالة البراءة النافية للتكليف- مع استلزامه المخالفة القطعيّة- مبنيّ على معرفتها و تأسيسها و فهم أدلّتها و لا سبيل للعوامّ إلى شيء من ذلك، و العمل بالاحتياط في غالب موارده متعسّر، و تشخيص موارده لأكثر العوامّ متعذّر إن لم نقل بتعذّره للجميع، فتعيّن عليهم في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال الأخذ بقول أهل الخبرة و هم الفقهاء، مع أنّه نوعا أقرب إلى الواقع من فهم نفسه بحسب نوعه، للقطع الضروري بأنّ ما يفسده في بناء عمله على فهم نفسه أكثر ممّا يصلحه فيجب في حكم العقل الأخذ به، و يشهد له رجوع الجاهل في كلّ فنّ و صناعة إلى أهل الخبرة بهما، بل لزوم رجوع الجاهل إلى العالم و الأخذ بقوله من فطريّات الناس كما يدركه المنصف بالوجدان.
و لا فرق في ذلك بين العامي الصرف و العامي العارف بجملة من العلوم و إن تمكّن من استفادة بعض الأحكام من الأخبار الواضحة الدلالة، لقضيّة الأقربيّة إلى الواقع و إطلاق الإجماعات المنقولة، مع إمكان دعوى عدم القول بالفصل و الإجماع المركّب بل انعقاد السيرة القطعيّة في كلا الفريقين.