الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٥٩ - معنى التقليد لغة و عرفا
..........
من الرابع؟ وجهان بل قولان أظهرهما الأوّل، لا بمعنى أنّ العمل بالمعنى المذكور غير واجب على المكلّف حيث وجب عليه التقليد، كيف و هو المقصود بالأصالة من إيجاب التقليد، بل بمعنى عدم كونه مأخوذا في مفهومه و معناه العرفي، لأنّه المعنى المنساق منه في الاستعمالات المبحوث عنه في أكثر المباحث الآتية المأخوذ في معاقد الإجماعات المنقولة على مشروعيّة التقليد و حسنه، الّتي منها محكيّ السيّد في الذريعة قائلا: «و الّذي يدلّ على حسن تقليد العامي أنّه لا خلاف بين الامّة قديما و حديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، و أنّه يلزمه قبول قوله لأنّه غير متمكّن من العلم بأحكام الحوادث، و من خالف في ذلك كان خارقا للإجماع، و ليس يمكن للمخالف في ذلك رفع الإجماع على الرجوع إلى الفتوى، و يؤوّل هذا الرجوع بما هو بعيد فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر و الاستدلال.
و هذا التأويل غير معلوم بل المعلوم ضرورة خلافه، و أنّ العامي لا يستفتي على وجه طلب التنبيه على النظر بل ليلتزم» إلى آخر كلامه رفع مقامه [١].
مع أنّ المناسب للمعنى اللغوي المتقدّم و الاستعمالات العرفيّة المتقدّمة هو الالتزام لا العمل بالمعنى المذكور، مع مقابلة التقليد للاجتهاد و كونهما طريقين إلى العمل و امتثال أحكام اللّه تعالى فالاجتهاد للمتمكّنين منه و التقليد لغيرهم يعطي كونهما في غير جهة المقابلة على نمط واحد، و كما أنّ الاجتهاد لم يؤخذ في مفهومه العمل بل هو مقدّمة له و وجوبه مقدّمي فكذلك التقليد، فالعمل واجب أصلي يتوصّل إليه بأحد الأمرين من الاجتهاد و التقليد.
هذا مع أنّه ليس للقول باعتبار العمل فيه إلّا أنّهم ذكروا للتقليد شروطا ترجع إليه بمعنى العمل كاجتهاد المقلّد بالفتح و إسلامه و عدالته، أو إجماعهم قائم على أنّه لو أخذ من الكافر أو الفاسق ثمّ أسلم أو عدل جاز العمل، فلو أنّها كانت شروطا له بمعنى مجرّد الأخذ و القبول لم يكن جائزا إلّا بعد الإسلام و العدالة، و أيضا لو أخذ من مجتهد ثمّ عدل المجتهد عن الفتوى أو حصل له التردّد في المسألة أو زالت ملكته لكان ذلك الأخذ كافيا في انعقاد التقليد مع أنّه يمكن دعوى إجماعهم على بطلانه.
و فيه: أنّ جواز الأخذ و القبول من فاقد الشروط و الالتزام بما قاله ما دام فاقدا أوّل المسألة.
و دعوى إجماعهم على ذلك غير مسموعة، و جواز العمل بعد وجدانها إنّما هو لحصول مقدّمته و لو على وجه غير مشروع، فإنّ بناء ما ذكرناه على كون التقليد مقدّمة للعمل لا أنّه نفس العمل.
[١] الذريعة إلى اصول الشريعة ٢: ٧٩٦.