الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٣٧ - أدلّة القول بالتخطئة
..........
و الأخبار القريبة من التواتر بل المتواترة معنى الواردة في الطعن على القائسين و أصحاب الرأي و أهل الاجتهاد من المخالفين، المعلّلة باستكمال الدين المنزل من اللّه على نبيّه لجميع أحكامه، و قد تقدّم أكثرها في احتجاج الأخباريّين على نفي الظنّ و الاجتهاد.
و من ذلك المرويّ عن نهج البلاغة من قول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذمّ اختلاف علمائهم في الفتيا مع صراحته في نفي التصويب قال (عليه السلام): «يرد على أحدكم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم بها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة عند الإمام الّذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه أو نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟ أم أنزل للّه دينا تامّا فقصّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن تبليغه و أدائه، و اللّه سبحانه يقول:
مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ و فيه تبيان كلّ شيء».
و منها: الأدلّة السمعيّة الدالّة على أصل البراءة فيما لا نصّ فيه، و غيره من عمومات الكتاب و السنّة كقوله تعالى: وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا و قوله (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» و «الناس في سعة ما لم يعلموا» و «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون» و «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» إذ يستفاد من مجموعها أنّ في الوقائع المجهولة الحكم للّه تعالى حكما لو لا كونه مجهولا لترتّب عليه التكليف الفعلي من المؤاخذة و استحقاق العقوبة على المخالفة، و لو انضمّ إليها أخبار التوقّف و أخبار الاحتياط لاستفيد من المجموع أنّ الجهالة في الوقائع المجعولة توجب التوقّف عن حكمها الخاصّ ثمّ البناء في العمل على البراءة أو الاحتياط و لا يتمّ ذلك إلّا على تقدير وجود حكم خاصّ للّه تعالى في كلّ واحد.
لا يقال: إنّ غاية ما ثبت من هذه الأدلّة وجود الأحكام الواقعيّة في الوقائع لذواتها للعالمين بها، و هذا ليس بمحلّ كلام بل الكلام في كون الحكم المجعول للعالمين مشتركا بينهم و بين الجاهلين به الّذين منهم المجتهدون، و الأدلّة المذكورة ساكتة عن إفادة هذا المعنى.
لأنّا نقول: مع أنّ بعض ما سبق يدلّ على ثبوت الحكم الواقعي في كلّ واقعة على وجه العموم، أنّ العموم يثبت بأدلّة الاشتراك في التكليف من الإجماع و الضرورة و الأخبار المتواترة الناطقة بأنّ: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة» و «أنّ حكم اللّه