الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٧٠ - اشتراط الاجتهاد بالقوّة القدسيّة
..........
و توضيحه: أنّ حقيقة الملكة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد المشروطة بالامور المتقدّمة الّتي منها القوّة المذكورة عبارة عن الحالة النفسانيّة المعتدلة الّتي يقتدر معها على إقامة الأدلّة الشرعيّة على الأحكام الجزئيّة الفرعيّة، و ظاهر أنّ إقامة الأدلّة تستدعي كبريات محرزة أو مقدّمات اخر مرتبطة بالكبريات هي قضايا كلّيّة تستحصل جملة منها من علم اصول الفقه و اخرى من علوم اخر و ثالثة من الأدلّة التفصيليّة كتابا و سنّة و غيرها، و صغريات أو مقدّمات مرتبطة بالصغريات هي قضايا محقّقة أو فرضيّة تدرك بالوجدان تحرز على وجه ينطبق موضوعاتها على موضوعات الكبريات المذكورة تعدية لما فيها من الأحكام المثبتة بأدلّتها إليها، و هذا هو معنى التفريع المأمور به في الأخبار بقولهم: «علينا أنّ نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا» و يرادفه ما ورد في تفسير القوّة المبحوث عنها من قولهم: «ردّ الفروع إلى اصولها و إرجاع الجزئيّات إلى كلّيّاتها» نظرا إلى أنّ هذه المفاهيم ليس لها معنى محصّل إلّا تطبيق موضوع المسألة الفرعيّة على موضوع الأصل و القاعدة الكلّيين، ثمّ إجراء حكم موضوعيهما الكلّيين على موضوعها الّذي هو على فرض الانطباق من جزئيّات هذين الموضوعين.
و لا ريب أنّ إحراز الكبريات لا بدّ له من منشأ لا يكون إلّا حالة نفسانيّة هي إمّا نفس العلوم المشار إليها أو الحالة الناشئة منها، أو الباعثة على تمكّن إدراكاتها، كما أنّ إحراز الصغريات على الوجه المذكور لا بدّ له من منشأ لا يكون إلّا حالة نفسانيّة تغاير الحالة الاولى، و لا تلازم بينهما أيضا باعتبار الخارج، لبداهة التخلّف من الطرفين كما يدرك بالوجدان و صرّح به غير واحد من الأعيان، فقد يبلغ الإنسان في العلوم المشار إليها حظّا وافرا و لا حظّ له في التفريع المذكور لقصور باعه و ضعف فطنته كما هو المشاهد، و قد يتسلّط بفطانته و انسه بمذاق الفقهاء لمخالطته لهم و مزاولته متون كتبهم على التفريع و إدراج كلّ فرع في أصله المقرّر لدى أرباب الصناعة. و لا يتمكّن من تحقيق ذلك الأصل بنفسه، لعدم خبرته بالعلوم المشار إليها أو عدم استكماله لها، فإذا جمع الوظيفتين استكمل الحالتين و يحصّل له باجتماعهما حالة ثالثة هي الهيئة الاجتماعيّة أو الهيئة البسيطة المنتزعة عنها أو المتولّدة منها على وجه الحقيقة، و الحالة المعبّر عنها بالقوّة القدسيّة يغايرها على جميع الوجوه، غير أنّها على الوجه الآخر مغايرة لها ذاتا و اعتبارا و على الوجهين الأوّلين مغايرة اعتبارا، و الفرق بينهما أنّها على أوّلهما حالة مركبّة من الحالتين، فإن اخذت بوصف الاجتماع