الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٤٨ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
و إن لم يكن ثابتا لا يزول بتشكيك المشكّك، و إطلاقه على اليقين لكونه أحد نوعي هذا المعنى العامّ لا لعنوانه الخاصّ، و اصطلاح أهل المنطق ليس مبنيّا على تخصيصه به، بل هو حسبما يطّلع عليه المتتبّع في كلماتهم مبنيّ على التعميم بالقياس إلى ما ذكر من المعنى العامّ و غيره حتّى الجهل المركّب بل الظنّ بل مطلق التصوّر أيضا، و إطلاقه على ما عدا الأوّل في العرف و اللغة بعنوان الحقيقة غير معهود.
فمعناه الحقيقي يعتبر فيه أمران: الجزم الّذي لا يحتمل معه الخلاف، و مطابقة الواقع، فلا يطلق على الظنّ و لا الجهل المركّب.
نعم قد يطلقه الظانّ لغفلته عن الاحتمال المرجوح الموجود في نفسه على الظنّ ما دام غافلا لا لأنّه إطلاق له في نظره على الظنّ، بل لأنّه إطلاق له بزعمه الناشئ عمّا طرأه من الغفلة على الجزم المطابق، كما أنّه يطلقه الجازم عن جهل مركّب على جزمه لاعتقاده بمطابقته، فلذا لو تفطّن الأوّل بما في نفسه من الاحتمال لسلب العلم عن اعتقاده، كما أنّ الثاني لو انكشف عنده عدم المطابقة جزم بعدم كونه عالما من أوّل الأمر.
و من هنا أيضا يصحّ سلب الاسم عنه عند من اطّلع على عدم مطابقة جزمه، فالعلم بحقيقته اللغويّة متضمّن لعدم احتمال الخلاف، سواء كان عقليّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي العقل بامتناع خلافه كالعلم بزوجيّة الأربعة و نحوها، أو شرعيّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي الشرع بامتناع خلافه كالعلم بطهارة الماء و نجاسة الكلب و نحوهما، أو عاديّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي العادة بامتناع خلافه كعلمنا بعدم انقلاب ماء البحر دما، و بعدم انقلاب الجبل الّذي غبنا عنه بعد لحظة ذهبا، و بعدم انقلاب الأواني الموضوعة في البيت الّتي غبنا عنها بعد ساعة علماء عارفين بالعلوم الدقيقة و ما أشبه ذلك من العلوم العاديّة، فإنّ الامتناع عبارة عن ضرورة جانب العدم، و من البيّن أنّ الحاكم بضرورة عدم خلاف الزوجيّة في الأربعة هو العقل، و بضرورة عدم خلاف الطهارة في الماء و خلاف النجاسة في الكلب هو الشرع، بحيث لو لا حكمه بهما فيهما لم يكن النجاسة في الأوّل و الطهارة في الثاني ممّا استحاله العقل، و بضرورة العدم لانقلاب الماء و الجبل و الأواني دما و ذهبا و علماء هو العادة، بحيث لو لا حكمها بالعدم فيها لما استحال العقلاء الانقلاب في شيء منها، لإمكانه الذاتي بالنظر إلى عموم قدرته تعالى و كون الممكنات بأسرها متساوية النسبة إلى قدرته الكاملة.