الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٣٩ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
آخر غير ما هو محلّ المقال من بيان وجه الحاجة إلى علم الرجال و إثبات توقّف الاجتهاد على ملاحظة أسانيد الروايات و معرفة أحوال رجالها، فالأولى التعريض لذكر هذه القرائن أيضا و إن استلزم تكرارا في أصل ذكرها، ثمّ الكلام عليها على وجه يتعلّق بالمقام و يثبت معه المرام.
فأوّل تلك القرائن- حسبما حكاها الوحيد البهبهاني في رسالة الاجتهاد و الأخبار- أنّه كثيرا ما نقطع بالقرائن الحاليّة و المقاليّة بأنّ الراوي كان ثقة في الرواية لم يرض بالافتراء و لا برواية ما لم يكن بيّنا واضحا و إن كان فاسد المذهب أو فاسقا بجوارحه، و هذا النوع من القرينة وافرة في أحاديث كتب أصحابنا.
و فيه: أنّه إن اريد بتلك القرائن الموجبة للقطع بوثاقة الراوي نظائر الامور المتقدّم إليها الإشارة في صدر المسألة أو ما يعمّها و ما يوجد في بعض المتون من ترديد الراوي بين اللفظين المحتملين في نظره، أو قوله في موضع الشكّ في لفظ الإمام (عليه السلام): «أظنّ أنّه قال كذا» أو «لا أحسبه إلّا قال كذا» أو ما أشبه ذلك أو ما يعمّها و ما يتّفق في بعض الأسانيد من قولهم: «فلان عن فلان الثقة» أو «فلان الجليل» أو «الشيخ الجليل فلان» و نحوه.
فالقول بلزوم مراعاتها اعتراف بالحاجة إلى مراعاة ما يوجب معرفة الرجال و لا يكون إلّا للحاجة إلى تلك المعرفة، بناء على ما بيّنّاه من أنّ معرفة الرجال المحتاج إليها ليست عبارة عن خصوص ما يحصل بمراجعة الكتب الرجاليّة، فرجع شبهة الخصم في نفي الحاجة إلى نفي لزوم مراجعة الكتب الرجاليّة لا نفي الحاجة إلى معرفة أحوال الرجال رأسا، فيعود الخلاف حينئذ لفظيّا.
و مع هذا نقول إلزاما له: إنّ مراعاة هذه القرائن على مقتضى كلامه إنّما هي للحاجة إلى معرفة حال الراوي في العمل بروايته، فلو فرض حينئذ انتفاء هذه القرائن بالمرّة بحيث لم يكن إلى معرفة حال الراوي طريق إلّا مراجعة الكتب أو ندرة وجودها بحيث لم يكن معه بدّ من مراجعتها أيضا، فهل يوجب تلك المراجعة أو ينكرها؟ فإن قال بالأوّل كان كرّا على ما فرّ منه، إذ الّذي يوجبها إنّما يوجبها لأحد هذين الفرضين، و إن قال بالثاني فقد أتى بما يناقض مقتضى كلامه، مع أنّ أمثال هذه القرائن لا توجد إلّا في طائفة قليلة من أحاديثنا بحيث لا تشفي العليل و لا تروي الغليل، فلا مناص عن مراجعة الكتب و مزاولة ما تضمّنتها من كلمات أهل هذه الصناعة، مع أنّ كون هذه القرائن صالحة لإفادة القطع بوثاقة الراوي