الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٣٣ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
هذا الاصطلاح الجديد و قرّبوا لنا البعيد و نوّعوا الحديث إلى الأنواع الأربعة» انتهى [١].
فيقال عليهم: إنّ هذا الاصطلاح مجرّد مفهوم لا يجدي في معرفة مصاديق كلّ نوع عن آخر، و لا سيّما الصحيح الّذي لا طريق لنا إلى معرفة أشخاصه، حيث لا سبيل إلى إحراز الأوصاف الثلاثة في جميع سلسلة السند.
و هذا- مع أنّه مكابرة محضة لا يلتفت إليها- لا يخدش فيما هو الغرض الأصلي عن مراجعة الرجال من تحصيل الوثوق و الاعتماد على الراوي و الاطمئنان بصدق الرواية و صدورها، فإنّ حصول كلّ من ذلك بمراجعة الرجال واضح بديهي و لو بملاحظة وصف الرجل بالثقة لو سلّمنا عدم دلالته على الأوصاف المذكورة، خصوصا إذا كان قائله عدلا إماميّا معتمدا و خصوصا إذا لم يقارنه ما يزاحمه، و خصوصا إذا أكّد مثله فيقال: «ثقة ثقة» أو ما يرادفه أو يقاربه في المعنى، فيقال: «ثقة نقة» بالنون مكسورة، كيف و لفظ «الثقة» باعتبار وضعه اللغوي العرفي ظاهر فيما يفيد الوثوق و الاعتماد و الاطمئنان.
فعن المصباح المنير: وثق الشيء بالضمّ وثاقة قوي و ثبت، فهو وثيق ثابت محكم، و أوثقته جعلته وثيقا، و وثقت به أثق بكسرهما ثقة و وثوقا ائتمنته.
و عن القاموس: وثق به كوَرِث ثقة و موثقا ائتمنته.
و منها: أنّ أكثر أسامي الرجال مشتركة بين عدل أو ممدوح و غيره، و أكثر أسباب التميّز لا تفيد إلّا أقلّ مراتب الظنّ المنهيّ عن العمل به عقلا و نقلا كتابا و سنّة و إجماعا، و كيف يجوز القول باعتبار مثل هذا الظنّ دون ما يحصل من الشواهد الآتية في اعتبار أخبار الكتب المعتبرة من القطع أو الظنّ القويّ القريب إليه؟
و أيضا فإنّ كثيرا من تعويلاتهم و تضعيفاتهم إنّما نشأ عن ترجيحهم و اجتهادهم، و لا يجوز للمجتهد بناء العمل على اجتهاد غيره، و إن وجد فيها ما ليس من اجتهاديّاتهم فهو شهادة كتبيّة و قد أجمع الأصحاب على أنّه لا عبرة بالكتابة كما ورد في بعض الروايات
[١] منتقى الجمان ١: ١٤، قال في المنتقى: «فإنّ القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالّة على صدق الخبر و إن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا، فلم يكن للصحيح كثير مزيّة توجب له التمييز باصطلاح أو غيره، فلمّا اندرست تلك الآثار و استقلّت الأسانيد بالأخبار اضطرّ المتأخّرون إلى تمييز الخالي من الريب و تعيين البعيد عن الشكّ، فاصطلحوا على ما قدّمنا بيانه، و لا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلّامة إلّا من السيّد جمال الدين بن طاوس- (رحمه اللّه)-».