الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٩٠ - الحجّة الاولى أنّ قضيّة حكم العقل بعد انسداد باب العلم و بقاء التكاليف هو الرجوع إلى الظنّ
..........
المساواة بينهما إنّما تتأتّى لغير الظانّين كالمنازعين في المسألة إذا كان غرضهم معرفة نفس الأمر، و كالمقلّدين إذا كان غرضهم تعيين ما يكون مرجعا لهم في مقام العمل، و أمّا كلّ من الظانّين بأنفسهما فلا يتأتّى ملاحظة القوّة و الضعف و المساواة في حقّه، بأن يكون الظنّ الحاصل له في نظره أقوى من ظنّ صاحبه تارة و أضعف منه اخرى و يساويه ثالثة، بل هذا الاختلاف بالنسبة إلى نظره غير معقول، كيف و ليس الظنّ الحاصل لصاحبه في نظره إلّا الاحتمال المرجوح المجامع لظنّه، فكيف يعقل كونه في نظره أقوى من ظنّه تارة و مساويا له اخرى؟ بل هو في نظره ليس ظنّا، فإطلاق القول بكون ظنّ المجتهد المطلق أقوى من ظنّ المتجزّي فيتعيّن الرجوع إليه ليس على ما ينبغي، لكونه في نظر المتجزّي إذا لاحظه مقيسا إلى ظنّه و هما.
نعم إنّما يتمّ كونه أقوى منه إذا لاحظهما غير المطلق و المتجزّي ممّن ينازع في المسألة أو من شأنه التقليد فيلاحظهما لتعيين الأقوى منهما و تشخيص الأقرب منهما إلى العلم في نظره بحسب نفس الأمر حتّى يرجع إليه و يأخذ به، فكون ظنّ المطلق أقوى من ظنّ المتجزّي في نظر المنازعين من المجتهدين أو في نظر المقلّدين لا يستلزم كونه كذلك في نظر المتجزّي أيضا، و العبرة في تعيّن الرجوع إلى أقوى الظنّين بكون الأقوائيّة ثابتة في نظر المكلّف و لو من جهة شهادة أهل الخبرة لا في نظر غيره، و هذا هو السرّ في اختلاف الحكم في الأعلم و غير الأعلم، حيث إنّ غير الأعلم ليس له إلّا العمل بظنّ نفسه لكون اعتقاد الأعلم في نظره مخالفة للواقع فلا يجوز الأخذ به، و يتعيّن على من يريد تقليدهما الرجوع إلى الأعلم دون غيره لكون ظنّه أقوى و اجتهاده أقرب إلى الواقع.
و بالجملة فقضيّة حكم العقل بملاحظة انسداد باب العلم وجوب الرجوع إلى ما هو أقرب إلى العلم، و يستحيل منه الحكم بالرجوع إلى ما هو أبعد عنه، فيتعيّن على الظانّ الغير المتمكّن من العلم الأخذ بالراجح من الاحتمالين في نظره لكونه الأقرب إلى العلم و ليس ذلك إلّا ظنّه، لكون الاحتمال الآخر المجامع للاحتمال المذكور أبعد عن العلم و ليس له الأخذ به بحكم العقل.
و لا ريب أنّ الظنّ الحاصل لغير هذا الظانّ مقيسا إلى ظنّه ليس في نظره إلّا ما هو الاحتمال المرجوح الأبعد، فيستحيل من العقل إلزامه بالرجوع إليه.
نعم لو ثبت أنّ الشارع أسقط اعتبار الاحتمال الراجح في نظر المكلّف و عيّن له