الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٣١ - إثبات عدم جواز التقليد لمن تمكّن من الاجتهاد بدليل الانسداد
..........
لكن نقول: إنّ المزيّة هنا موجودة و هي في جانب الامتثال الاجتهادي فيكون متعيّنا بحكم العقل.
و بيانه: أنّ العقل بعد تعذّر الامتثال العلمي التفصيلي لا يقضي بتعيّن شيء من الاجتهاد و غيره أوّلا و بالذات، و إنّما يقضي بتعيّن ما هو أقرب إلى الامتثال العلمي التفصيلي ممّا لا يفضي إلى المحذور الّذي كان أفضى إليه الامتثال العلمي التفصيلي و لا غيره على وجه لم يتخلّل بينهما واسطة، بأن يكون في القرب إليه مع اعتبار عدم إفضائه إلى المحذور بحيث لو تعدّينا إلى مرتبة فوقه و قلنا باعتبار تلك المرتبة كانت مفضية إلى المحذور، سواء كانت هي نفس العلم التفصيلي أو ما دونه، و ذلك لأنّ المسقط لاعتبار العلم التفصيلي هو هذا المحذور فلا بدّ و أن يتعيّن ممّا دونه، ما ينتفي عنه المحذور، و لا يجوز في حكم العقل التنزّل إلى ما تحته و هو ليس كما فوقه مفضيا إلى المحذور، فالحكم نفيا و إثباتا دائر مدار المحذور وجودا و عدما.
و من هنا كان المتعيّن في حكم العقل بعد تعذّر العلم التفصيلي الأخذ بمقتضى العلم الإجمالي، و حيث كان اعتبار ذلك أيضا منفيّا بحكمه أو بحكم الشرع يتنزّل العقل إلى مرتبة تحتهما لا يستلزم محذوريهما بلا توسّط مرتبة اخرى بينها و بينهما إلّا مرتبة استلزمت محذوريهما أو محذورا ثالثا، و لأجل هذه القاعدة ترجّح عندنا في العمل بالظنون الاجتهاديّة لزوم الأخذ بما هو أقرب إلى العلم المعبّر عنه بالظنّ المتاخم بالعلم.
و إن شئت عبّر عنه بالظنّ الاطمئناني، و هو الّذي يوجب الوثوق و سكون النفس إن لم يستلزم مراعاة تحصيله محذور العسر و الحرج أو تعطيل الأحكام المخرج عن الدين.
و إذا تمهّد ذلك فنقول: إنّ الأقرب إلى الامتثال العلمي بكلا قسميه إنّما هو الامتثال الاجتهادي الّذي يتأتّى بسبب الأخذ بمؤدّيات الاجتهاد من غير استلزامه محذوريهما و لا محذورا ثالثا على ما هو مفروض المقام، و ذلك لما يحتمل في الامتثال التقليدي الّذي يتأتّى بسبب الأخذ بفتاوى مجتهد آخر من المبعّدات عن الواقع ما لا يحتمل فيه، و ذلك لأنّ فتاوى نفسه مع فتاوى هذا المجتهد و إن كانا يتشاركان في احتمال الخطأ في أصل الاجتهاد غير أنّ فتاوى المفتي تفارق فتاوى نفسه في احتمال الخطأ و السهو و النسيان و الكذب في مقام الإفتاء الصادر من هذا المفتي كما شاهدنا طروّ أكثر هذه الامور لكثير ممّن عاصرناهم من المفتين كثّر اللّه أمثالهم.