دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩٣ - ذكر سبب إسلام سلمان الفارسي، رضي اللّه عنه
(١) و كانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، و لا بدّ لي من اطّلاعها، فانطلق إليها فأمرهم [٤٨] بكذا و كذا و لا تحتبسنّ عنّي، فإنك إن احتبست عنّي شغلتني عن كلّ شيء. فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلّون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم. فو اللّه ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس. و بعث أبي في طلبي في كل وجهة [٤٩] حتى جئته حين أمسيت و لم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت [٥٠]: يا أبتاه، مررت بناس يقال لهم: النّصارى، فأعجبني صلواتهم و دعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال [٥١]: أي بني دينك و دين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا و اللّه ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون اللّه و يدعونه و يصلّون له، و نحن إنّما نعبد نارا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت. فخافني، فجعل في رجليّ حديدا، و حبسني في بيت عنده، فبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام. فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني. قالوا: نفعل. فقدم عليهم ناس في تجارتهم.
فبعثوا إليّ أنّه قد قدم علينا تجار من تجارنا. فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم و أرادوا الخروج فآذنوني. فقالوا: نفعل. فلما قضوا حوائجهم و أرادوا الرّحيل بعثوا إليّ بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجليّ و لحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟
فقالوا: الأسقف [٥٢] صاحب الكنيسة. فجئته، فقلت له: إني أحببت أن أكون
[٤٨] في (م) و (ح): «فمرهم».
[٤٩] في (م): «وجه».
[٥٠] في (ه) و (م): «فقال».
[٥١] في (م): «و قال».
[٥٢] (الأسقفّ): بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم، و يقال: أسقف بالتخفيف ايضا.