دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٨٨ - ذكر سبب إسلام سلمان الفارسي، رضي اللّه عنه
(١) للّه أنعم اللّه عليه. ثم ذكرني. فقالوا له: يا أبا فلان، كيف وجدت هذا الغلام؟ فأثنى عليّ، و قال خيرا، فحمدوا اللّه تعالى، و إذا خبز كثير و ماء، فأخذوا و جعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به. ففعلت. و تفرقوا في تلك الجبال و رجع إلى كهفه، و رجعت معه. فلبث ما شاء اللّه: يخرج في كل يوم أحد فيخرجون معه فيحفّون به [٢٨] و يوصيهم بما كان يوصيهم به، فخرج في أحد فلما اجتمعوا حمد اللّه و وعظهم و قال مثل ما كان يقول لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، انه قد كبر سنّي [٢٩]، و رقّ عظمي، و اقترب أجلي، و إنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا [٣٠] و لا بد من إتيانه، فاستوصوا بهذا الغلام خيرا، و إني رأيته لا بأس به. قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم، و قالوا: يا أبا فلان أنت كبير، و أنت وحدك، و لا نأمن أن يصيبك الشيء، و لسنا و أحوج ما كنا إليك. قال: لا تراجعوني، لا بدّ لي من إتيانه، و لكن استوصوا بهذا الغلام خيرا، و افعلوا و افعلوا. قال: قلت: ما أنا بمفارقك قال: يا سلمان، قد رأيت حالي و ما كنت عليه، و ليس هذا كذلك، إنّما أمشي، أصوم النهار، و أقوم الليل، و لا أستطيع أن أحمل معي زادا و لا غيره، و لا تقدر على هذا. قال:
قلت: ما أنا بمفارقك. قال: أنت أعلم. قالوا [٣١]: يا أبا فلان، إنا نخاف على هذا الغلام. قال: هو أعلم، قد أعلمته الحال، و قد رأى ما كان قبل هذا.
فقلت: لا أفارقك. قال: فبكوا و ودّعوه، و قال لهم: اتقوا اللّه، و كونوا على ما أوصيتكم به، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم، و إن أمت فإن اللّه حي لا يموت. فسلّم عليهم و خرج و خرجت معه، و قال: لي احمل معك من هذا الخبز
[٢٨] الزيادة من (ح).
[٢٩] من (م): «كبرت سني».
[٣٠] (م): «كذا و كذا».
[٣١] في (ه): «قال».