دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤١٥ - باب عرض النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نفسه على قبائل العرب و ما لحقه من الأذى في تبليغه رسالة ربه- عز و جل- إلى أن أكرم اللّه به الأنصار من أهل المدينة و ما ظهر من الآيات للّه عز و جل في إكرامه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما وعده من إعزازه و إظهار دينه
(١) فلما توفي أبو طالب ارتدّ البلاء على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يأووه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف يومئذ و هم أخوة: عبد يا ليل بن عمرو، و حبيب بن عمرو، و مسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، و شكا إليهم البلاء و ما انتهك منه قومه.
فقال أحدهم: أنا أمرق [٥] أستار الكعبة إن كان اللّه بعثك بشيء قط.
و قال الآخر: أعجز اللّه أن يرسل غيرك.
و قال الآخر: و اللّه لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا، و اللّه لئن كنت رسول اللّه لأنت أعظم شرفا و حقا من أن أكلمك، و لئن كنت تكذب على اللّه لأنت أشر من أن أكلمك.
و تهزّءوا به و أفشوا في قومهم الذي راجعوه به و قعدوا له صفين على طريقه، فلما مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه و لا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، و كانوا أعدوها حتى أدموا [٦] رجليه.
فخلص منهم و هما يسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، و استظل في ظل حبلة [٧] منه، و هو مكروب موجع تسيل رجلاه دما فإذا في الحائط: عقبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما اللّه و رسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسا و هو
[ ()] الجوع و يقهر و يؤذى علمنا أن تحت ذلك حكما إن تلمّحنا بعضها لاحت من خلال سجف البلاء حكمتان.
إحداهما: اختبار المبتلى ليسكن قلبه إلى الرضا بالبلاء فيؤدّي القلب ما كلّف من ذلك و الثانية: أن تبثّ الشبهة في خلال الحجج ليثاب المجتهد في دفع الشبهة.
[٥] أمرق: أمزق.
[٦] في (ص) و (ه): «دمّوا».
[٧] الحبلة: طاقات من قضبان العنب.