دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٣٧ - باب دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على سبعة من قريش يؤذونه ثم على ابن أبي لهب و ما ظهر في ذلك من الآيات
(١)
[ ()] و أبو جهل بن هشام، لما ذكر اللّه شجرة الزّقّوم تخويفا بها لهم قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزّبد، و اللّه لئن استمكنّا منها لنتزقّمنّها تزقما، فأنزل اللّه تعالى فيه (٤٤: ٤٣- ٤٨): إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أي: ليس كما يقول.
قال ابن هشام: المهل: كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص، أو ما أشبه ذلك، فيما أخبرني أبو عبيدة، و أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) همزة و لمزه، فأنزل اللّه تعالى فيه (١٠٤- ١- ٩) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَ عَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
قال ابن هشام: و الهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، و يكسر عينه عليه، و يغمز به، قال حسان بن ثابت:
همزتك فاختضعت لذلّ نفس* * * بقافية تأجّج كالشّواظ
و هذا البيت في قصيدة له.
و جمعه همزات، و اللّمزة: الذي يعيب الناس سرا و يؤذيهم، قال رؤبة بن العجاج:
في ظلّ عصري باطلي و لمزي
و هذا البيت في أرجوزة له.
و جمعه: لمزات.
قال ابن إسحاق: و العاص بن وائل السّهميّ، كان خبّاب بن الأرتّ صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قينا بمكة يعمل السيوف، و كان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له، حتى إذا كان له عليه مال، فجاء يتقاضاه، فقال له: يا خبّاب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خبّاب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنا لك حقك، فو اللّه لا تكون أنت و أصحابك، يا خبّاب، آثر عند اللّه مني، و لا أعظم حظا في ذلك، فأنزل اللّه تعالى فيه (١٩: ٧٧- ٨٠): أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إلى قوله تعالى: وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً.
و لقي أبو جهل بن هشام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيما بلغني، فقال له: و اللّه يا محمد لتتركنّ سبّ آلهتنا أو لنسبّنّ إلهك الذي تعبد، فأنزل اللّه تعالى عليه فيه (٦: ١٠٨): وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ فذكر لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كفّ عن سبّ آلهتهم، و جعل يدعوهم إلى اللّه.