دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٩١ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) فلما بيّن اللّه عز و جل قضاءه و برّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم و عداوتهم على المسلمين و اشتدوا عليهم.
قال: و كان عثمان بن مظعون و أصحابه فيمن رجع فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة حتى بلغهم شدة المشركين على المسلمين إلا بجوار فأجار الوليد ابن المغيرة عثمان بن مظعون، فلما رأى عثمان الذي يلقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه من البلاء و عذّب طائفة منهم بالنار و السياط و عثمان معافىً لا يعرض له، استحبّ البلاء على العافية فقال أما من كان في عهد اللّه عزّ و جل و ذمته و ذمة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) التي اختار اللّه لأوليائه من أهل الإسلام فهو مبتلىً و من دخل فيه
[ ()] ببيته و جاءه جبريل فيه. لكن هذا السّتر أحرى ان يفضحها. فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع الوحي لساعته! و ما كان أحراه ان يجري الوحي الصواب على لسانه؟ و إذا فلا أصل لمسألة الغرانيق إلا الوضع و الاختراع. قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر الأول.
و أعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين انهم عرضوا للافتراء في أمّ مسائل الإسلام جميعا: في التوحيد! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الاولى، و التي لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة، و لا أماله عنها ما عرضت عليه قريش ان يعطوه ما يشاء من المال او يجعلوه ملكا عليهم. و عرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتّبعه من أهل مكة إلا عدد يسير. و ما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة امره ربه ان يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التي كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدلّ على جرأة غير معقولة، و يدلّ في الوقت نفسه على أن الذين مالوا إلى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه احد.
لا أصل إذا لمسألة الغرانيق على الإطلاق، و لا صلة البتة بينها و بين عودة المسلمين من الحبشة، إنما عادوا، كما قدّمنا، بعد أن أسلم عمر و نصر الإسلام بمثل الحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، حتى اضطرّت قريش لمهادنة المسلمين. و عادوا حين شبّت في بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبّتها. فلما علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفها أن يعظم امر محمد بينهم، فأتمرت ما تصنع. و قد انتهت بوضع الصحيفة التي قرّروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم و لا يبايعوهم و لا يخالطوهم، كما أجمعوا فيما بينهم ان يقتلوا محمدا إن استطاعوا.