دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٦ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) لا يظلم بأرضه أحد [٥]، و كان يثنى عليه مع ذلك خيرا، فانطلق إليها عامتهم حين قهروا و خافوا الفتنة، و مكث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم يبرح، و ذلك قبل خروج جعفر بن أبي طالب و أصحابه رضي اللّه عنهم إلى أرض الحبشة، و أنهم خرجوا مرتين، ثم رجع الذين خرجوا المرة الأولى قبل خروج جعفر و أصحابه حين أنزل اللّه [عز و جل] [٦] عليه سورة النجم، و كان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه [٧] و أصحابه و لكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود و النصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم و الشر، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد اشتد عليه ما ناله هو و أصحابه من أذاهم و تكذيبهم و أحزنته [٨] ضلالتهم و كان يتمنى هداهم فلما أنزل اللّه عز و جل سورة النجم قال: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [٩] ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر اللّه عز و جل آخر الطواغيت فقال: «و إنهن الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لهي التي ترتجى» و كان ذلك من سجع الشيطان و فتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، و زلت بها ألسنتهم و تباشروا بها، و قالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه [١٠] الأول و دين قومه، فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آخر النجم سجد، و سجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة و كان شيخا كبيرا رفع ملء كفيه ترابا فسجد [١١] عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فأما
[ ()] إسلامه و لم يهاجر و لا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، و قد توفي في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، و أصحمة بالعربية يعني: عطية.
[٥] في (ص): «أحد بأرضه».
[٦] الزيادة من (ص) و (ه).
[٧] في (ص) و (ه): «قرّرناه».
[٨] في (ح): «و أحزنه».
[٩] الآيتان الكريمتان (١٩- ٢٠) من سورة النجم.
[١٠] في (ص) و (ه): «ديننا».
[١١] في (ص): «و سجد».