دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٠٩ - باب ذكر إسلام أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللّه عنه و ما في قصّته من تنزيه
(١) مكة، قال: فنافر [٦] أنيس عن صرمتنا و عن مثلها، فأتينا الكاهن فخيّر أنيسا، فأتانا بصرمتنا و مثلها معها [٧].
قال: و قد صلّيت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بثلاث سنين، فقلت: لمن؟ قال: للّه. قلت فأين توجّه؟ قال: أتوجّه حيث يوجّهني اللّه، أصلّي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنّي خفاء [٨]- في حديث المقرئ يعني الثوب- حتى تعلوني الشمس، قال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني حتى آتيك، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث [٩] عليّ ثم أتاني، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا بمكة يزعم أنّ اللّه أرسله. قال: قلت ما يقول الناس؟
قال: يقولون إنّه لشاعر، و ساحر، و كاهن قال: و كان أنيس أحد الشعراء، قال:
فقال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، و لقد وضعت قوله على أقوال الشعراء و قال غيره على أقراء [١٠] الشعر فو اللّه ما يلتئم، على لسان أحد بعدي، إنّه شعر، و و اللّه إنّه لصادق، و إنهم لكاذبون.
قال قلت له: هل أنت كافيني حتى أنطلق فأنظر؟ فقال: نعم و كن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنفوا له و تجهموا، فانطلقت حتى قدمت مكة
[٦] فنافر: من المنافرة و هي المفاخرة و المحاكمة، فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكما إلى رجل ليحكم أيهما خير و أعز نفرا، و كانت هذه المفاخرة في الشعر: أيهما أشعر.
[٧] (عن صرمتنا و عن مثلها) معناه تراهن هو و آخر: أيهما أفضل، و كان الرهن صرمة ذا و صرمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحكم بأن أنيسا أفضل، و هو معنى قوله:
فخيّر أنيسا، أي: جعله الخيار و الأفضل.
[٨] في (ح): «كأني جفاء»، و معنى «خفاء»: هو الكساء، و جمع أخفية. ككساء و أكسية.
[٩] أي: أبطأ.
[١٠] (أقراء الشعر) أي طرقه و أنواعه.