الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٢ - عظمة الإنسان من وجهة نظر القرآن
الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً قبل ان يأتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه الإنسان من التخلّص من العذاب بشراء السعادة و النعيم الخالد، و لا تنفع الصداقة حينئذ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ.
ثمّ تتطرّق الآية الى معرفة اللّه عن طريق نعمه، معرفة تؤدّي الى احياء ذكره في القلوب، و تحثّ الإنسان على تعظيمه في مقابل لطفه و قدرته، لانّ من الأمور الفطرية ان يشعر الإنسان في قلبه بالحبّ و الودّ لمن أعانه و احسن اليه.
و يبيّن هذا الموضوع من خلال عدّة آيات اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ.
ثمّ انّه وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ سواء من جهة موادّها الاوّلية المتوفّرة في الطبيعة، او من جهة القوّة المحرّكة لها و هي الرياح التي تهب على البحار و المحيطات بصورة منتظمة لتسيير هذه السفن فتنقل الإنسان و ما يحتاج اليه من منطقة الى اخرى بيسر و سهولة: لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.
وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ كي تسقوا من مائها زروعكم، و تشربوا أنتم و انعامكم، و في كثير من الأحيان تكون طريقا للسفن و القوارب، و تستفيدون منها في صيد الأسماك.
و ليست موجودات الأرض- فقط- مسخّرة لكم، بل وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ [١].
و ليست مخلوقات العالم بذاتها فقط، بل حتّى الحالات العرضية لها هي في خدمتكم: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ من احتياجاتكم البدنيّة و الاجتماعية و جميع وسائل السعادة و الرفاه وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها لانّ النعم المادية و المعنوية للخالق شملت جميع وجودكم
[١] «دائبين» من مادّة «الدؤوب» بمعنى ادامة العمل طبقا للسنّة الثابتة، و بما انّ الشمس و القمر مستمرّان بشكل ثابت من ملايين السنين، و ما لها من فوائد عظيمة للكائنات، لا نجد هناك عبارة لهما أفضل من دائبين.