الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - السّجن بسبب البراءة
الغوغاء و الهياج، و لكنّ خبره- بالطبع- وصل الى سمع العزيز .. و من مجموع هذه المجريات اتّضح انّ يوسف لم يكن شابّا عادّيا، بل كان طاهرا لدرجة لا يمكن لاي قوّة ان تجرّه الى الانحراف و التلوّث، و اتّضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة، فتمزّق قميصه من دبر، و مقاومته امام وساوس نسوة مصر، و استعداده لدخول السجن و عدم الاستسلام لتهديدات امراة العزيز بالسجن و العذاب الأليم، كلّ هذه الأمور ادلّة على طهارته لا يمكن لأحد ان يسدل عليها الستار او ينكرها!.
و لازم هذه الادلّة اثبات عدم طهارة امراة العزيز و انكشاف جريمتها، و على اثر ثبوت هذه الجريمة فإنّ الخوف من فضيحة جنسية في اسرة العزيز كان يزداد يوما بعد يوم.
فكان الراي بعد تبادل المشورة بين العزيز و مستشاريه هو ابعاد يوسف عن الانظار لينسى الناس اسمه و شخصه، و احسن السبل لذلك ايداعه قعر السجن المظلم اوّلا، و ليشيع بين الناس انّ المذنب الاصلي هو يوسف ثانيا، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
التعبير بكلمة «بدا» التي معناها ظهور الراي الجديد، يدلّ على انّ مثل هذا التصميم في حقّ يوسف لم يكن من قبل. و يحتمل ان تكون هذه الفكرة اقترحتها امراة العزيز الاوّل مرّة .. و بهذا دخل يوسف النزيه- بسبب طهارة ثوبه- السجن، و ليست هذه اوّل مرّة و لا آخرها ان يدخل الإنسان النزيه «بجريرة نزاهته» السجن!! اجل .. في المحيط المنحرف تكون الحرية من نصيب المنحرفين الذين يسيرون مع التيار و ليست الحرية وحدها من نصيبهم فحسب، .. بل أنّ الأفراد النجباء كيوسف الذي لا يتلاءم مع ذلك المحيط و لونه و يتحرّك على خلاف مجرى الماء! ينبغي ان يقبعوا في زاوية النسيان .. و لكن الى متى؟ هل تستمر هذه