الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٨ - الاستقامة و الثّبات
لذلك يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ [١].
و يقول بعدها مباشرة: وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ على انّ جملة موفوهم نصيبهم تعني أداء الحق كاملا، لكن ذكر كلمة غير منقوص للتأكيد اكثر على هذه المسألة.
و في الحقيقة انّ هذه الآية تجسّم هذه الحقيقة، و هي انّ ما قرأناه من قصص الأمم السابقة لم يكن اسطورة، كما انّها لا تختص بالماضين، فهي سنّة ابدية و خالدة و هي لجميع الناس ماضيا و حاضرا و مستقبلا.
غاية ما فيه الأمر انّ هذا العقاب في كثير من الأمم السابقة نزل على شكل بلايا مهولة و عظيمة، لكنّه وجد شكلا آخر في شأن أعداء نبي الإسلام، و هو انّ اللّه اعطى القدرة و القوة العظيمة لنبيّه و أصحابه المؤمنين بحيث استطاع ان يهزم أعداءه الظالمين اللجوجين الذين أصروا على انحرافهم و غرورهم.
و يسلّي القرآن قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرّة اخرى، فيحدّثه عن موسى و قومه قائلا:
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ... و يقول إذا ما رأيت انّ اللّه لا يعجل العذاب على قومك، فلانّ مصلحة الهداية و التعليم و التربية لقومك توجب ذلك و الّا فانّ القرار الالهي المسبق يقتضي التعجيل بعملية التحكيم و القضاء و بالتالي إنزال العقاب وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ و بالرغم من ذلك فهم في شك من هذا الأمر [٢].
[١] «المرية» على وزن «جزية» كما تأتي على وزن «قرية» و معناها التردد في التصميم على امر ما ... و قد قال البعض:
انّها تعني الشكّ المقترن بالتهمة، و الجذر الاصلي لهذه الكلمة معناه عصر ثدي الناقة بعد احتلابها. على امل ان يكون شيء من اللبن لا يزال باقيا في الثدي، و لانّ هذا العمل منشؤه التردد و الشك فلذلك أطلقت الكلمة على كل ما فيه شكّ و تردد.
[٢] هناك كلام بين المفسّرين في عودة الضميرين «هم» و «منه» على اية كلمتين في الآية؟! فقال بعضهم: انّ هذا الضمير هم «و انهم» يعود على قوم موسى و «منه» يعود على كتاب (التوراة) فمعنى الآية: ان هؤلاء القوم لا يزالون يشكّون في