الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - يعقوب و الألطاف الالهية
لكن بعد هذا العتاب المليء بالحزن و الاسى رجع يعقوب الى قرارة نفسه و قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ اي انّني سوف امسك بزمام نفسي، و لا اسمح لها بأن تطغى عليّ بل اصبر صبرا جميلا على امل بأنّ اللّه سبحانه و تعالى سوف يعيد لي اولادي (يوسف و بنيامين و أخوهم الأكبر) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً فإنّه هو العالم بواقع الأمور و الخبير بحوادث العالم ما مضى منها و ما سوف يأتي، و لا يفعل الّا عن حكمة و تدبير إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
ثمّ بعد هذه المحاورات بين يعقوب و أولاده، استولى عليه الحزن و الألم، و حينما رأى مكان بنيامين خاليا عادت ذكريات ولده العزيز يوسف إلى ذهنه، و تذكّر تلك الايّام الجميلة التي كان يحتضن فيها ولده الجميل ذا الأخلاق الفاضلة و الصفات الحسنة و الذكاء العالي فيشمّ رائحته الطيّبة و يستعيد نشاطه، امّا اليوم فلم يبق منه اثر و لا عن حياته خبر، كما أنّ خليفته (بنيامين) ايضا قد ابتلي مثل يوسف بحادث مؤلم و ذهب الى مصير مجهول لا تعرف عاقبته.
حينما تذكّر يعقوب هذه الأمور ابتعد عن أولاده و استعبر ليوسف وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ امّا الاخوة فإنّهم حينما سمعوا باسم يوسف، ظهر على جبينهم عرق الندامة و ازداد خجلهم و استولى عليهم الحزن لمصير اخويهم بنيامين و يوسف، و اشتدّ حزن يعقوب و بكاؤه على المصائب المتكرّرة و فقد اعزّ أولاده وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ لكن يعقوب كان- في جميع الأحوال مسيطرا على حزنه و يخفّف من آلامه و يكظم غيظه و ان لا يتفوّه بما لا يرضى به اللّه سبحان و تعالى فَهُوَ كَظِيمٌ.
يفهم من هذه الآيات انّ يعقوب لم يكن فاقدا لبصره، لكنّ المصائب الاخيرة و شدّة حزنه و دوام بكائه افقده بصره، و كما أشرنا سابقا فإنّ هذا الحزن و الألم و العمى كان خارجا عن قدرته و اختياره، فإذا لا يتنافى مع الصبر الجميل.
تبحث عن قضيّة يوسف و فراقه عن أبويه.