الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - ٣- الشكر على الانتصار
و افتخر به امام الآخرين [١].
٣- الشكر على الانتصار:
انّ الآيات السابقة تعلّمنا بجلاء و وضوح درسا من دروس الأخلاق الاسلامية، و هو انّه بعد الانتصار على العدو و كسر شوكته لا بدّ ان لا ننسى العفو و الرحمة، و ان لا نعامله بقساوة، فإنّ اخوة يوسف قد عاملوه اشدّ المعاملة أشرفت به على نهايته و أوصلته الى أبواب الموت، و لو لم تشمله عناية اللّه سبحانه و تعالى، لعجز عن الخلاص ممّا اوقعوه فيه، هذا اضافة الى المصائب و الآلام التي تحملها أبوه، لكنّهم الآن جميعا واقفون امّام يوسف و هو السيّد المطاع و بيده القوّة و القدرة، لكنّه عاملهم بلطف و احسان.
كما انّه يفهم من خلال حديثه معهم انّه لم يحقد عليهم قطّ، بل الذي يقلقه هو تذكّر الاخوة ماضيهم الأسود و يحسّوا بالخجل! و لذا حاول جاهدا ان يريحهم من هذا القلق و يزيح هذا الكابوس عن صدورهم، بل اكثر من هذا فإنّه حاول ان يفهمهم انّ لهم عليه فضلا في مجيئهم الى مصر و التعرّف عليهم، فإنّهم كانوا السبب في كشف حقيقته امام الشعب في هذا البلد، حيث عرف اهل مصر انّ عزيزهم هو سليل بيت النبوّة و الرسالة و ليس عبدا بيع في السوق بدراهم معدودات، و من هنا فإنّ يوسف كان يرى لهم في ذلك فضلا و منّة! و من حسن الصدف انّنا نرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمتحن بمثل هذه المواقف الحرجة، فمثلا حينما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكّة و اذلّ المشركين و هزمهم و كسر أصنامهم و داس شوكتهم و كبرياءهم، جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (كما رواه ابن عبّاس) الى جوار الكعبة و أخذ بحلقة بابها و كان المشركون قد التجأوا إليها هم ينتظرون حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيهم، و
قال كلمته المشهورة: «الحمد للّه الذي صدق وعده
[١] تفسير فخر الرازي، ج ١٨، ص ٢٠٦.