الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٣ - ٦- ما هو الصبر الجميل
ربّما يحرك النسيم العليل ماء الحوض الصغير، و لكن المحيطات العظيمة كالمحيط الهادي- مثلا- يستوعب حتى الاعصار الذي يتلاشى امام هدوئه و سعته.
و قد يتصبر الإنسان أحيانا، و لكنّه سرعان ما يتلف هذا الصبر بكلماته النابية التي تدل على عدم الشكر و عدم تحمل الحادثة و نفاد الصبر.
و لكن المؤمنين الذين يتمتعون بإرادة قويّة و استيعاب للحوادث، هم أولئك الذين لا يتأثرون بها و لا يجري على لسانهم ما يدلّ على عدم الشكر و كفران النعمة او الجزع او الهلع.
صبر هؤلاء هو الصبر الجميل ...
قد يبرز الآن هذا السؤال، و هو اننا نقرا في الآيات الاخرى- من هذه السورة- انّ يعقوب بكى على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، أ فلا ينافي ما صدر من يعقوب صبره الجميل؟! و الجواب على هذا السؤال في جملة واحدة، و هي: ان قلوب عباد اللّه مركز للعواطف، فلا عجب ان ينهلّ دمع عينهم مدرارا، المهم ان يسيطروا على أنفسهم، و لا يفقدوا توازنهم، و لا يقولوا شيئا يسخط اللّه.
و من الطريف ان مثل هذا السؤال وجه الى النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين بكى على موت ولده ابراهيم حيث قالوا له: يا رسول اللّه، أ تنهانا عن البكاء و تبكي؟! فأجابهم النّبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
«تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الربّ».
و
في رواية اخرى انّه قال: «ليس هذا بكاء انّه رحمة» [١].
و هذا اشارة الى انّ ما في صدر الإنسان هو القلب، و ليس حجر! و طبيعيّ ان يتأثر الإنسان امام المسائل العاطفية، و ابسط هذا التأثر هو انهلال الدمع ... انّ هذا لا يعدّ عيبا، بل هو امر حسن، العيب هو ان يقول الإنسان ما يسخط الربّ.
[١] بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ١٥٧ و ١٥٨.