الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - السّعادة الشّقاوة
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، و كالآية (٣٥) من سورة المرسلات حيث نقرا: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ.
و لهذا السبب قال بعض المفسّرين الكبار: انّ التكلم هناك «يوم القيامة» لا مفهوم له أساسا. لانّ التكلم وسيلة لكشف باطن الأشخاص و داخلهم، و لو كان لدينا احساس نستطيع ان نطّلع به على أفكار كل شخص لم يكن حاجة الى التكلم ابدا.
فعلى هذا لمّا كانت الأسرار و جميع الأشياء تنكشف «يوم القيامة» على حالة «الظهور و البروز» فلا معنى للتكلم أصلا.
و ببيان آخر: انّ الدار الآخرة دار مكافأة و جزاء لا دار عمل، و على هذا فلا معنى هناك لاختيار الإنسان و تكلمه حسب رغبته و ارادته، بل هو الإنسان و عمله و ما يتعلق به، فلو أراد التكلم فلا يكون كلامه عن اختيار و ارادة و حاكيا عمّا في ضميره كما في الدنيا، بل كل ما يتكلم به هناك فهو نوع من الانعكاس عن اعماله التي تظهر جليّة ذلك اليوم. اي انّ الكلام هناك ليس كالكلام في الدنيا بحيث يستطيع الإنسان على حسب ميله ان يتكلم صادقا او كاذبا.
و على كل حال فإنّ ذلك اليوم هو يوم كشف حقائق الأشياء و عودة الغيب الى الشهود، و لا شبه له بهذه الدنيا.
و لكن هذا الاستنتاج من الآية المتقدّمة لا ينسجم مع ظاهر الآيات الأخرى في القرآن، لأنّ القرآن يتحدث عن كثير من كلام المؤمنين و المجرمين و القادة و الجبابرة و أتباعهم، و الشيطان و المنخدعين به، و أهل النّار و أهل الجنّة، بحيث يدل على انّ هناك كلاما كالكلام في هذه الدنيا أيضا.
حتى انّ بعض الآيات يستفاد منها انّ قسما من المجرمين يكذبون في ردهم على بعض الاسئلة، كما هو مذكور في سورة الانعام الآيات (٢٢) الى (٢٤) حيث تقول الآيات