الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - رؤيا ملك مصر و ما جرى له
التّفسير
رؤيا ملك مصر و ما جرى له:
بقي يوسف سنين في السجن المظلم كأي انسان منسيّ، و لم يكن لديه من عمل الّا بناء شخصيته، و ارشاد السجناء و عيادة مرضاهم و تسلية الموجعين منهم.
حتّى غيّرت (حظّه و طالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر .. و لم تغيّر هذه «الظاهرة» حظّه فحسب، بل حظّ امّة مصر و ما حولها.
لقد راى ملك مصر الذي يقال انّ اسمه هو «الوليد بن الرّيان» و كان «عزيز مصر وزيره» راى هذا الملك رؤيا مهولة، فأحضر عند الصباح المعبّرين للرؤيا و من حوله فقصّ عليهم رؤياه وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ ثمّ التفت إليهم طالبا منهم تعبير رؤياه فقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ.
و لكن حاشية السلطان وجموا إزاء هذه الرؤيا و قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ.
«الأضغاث» جمع «ضغث» على وزن (حرص) و معناه المجموعة من الحطب او العشب اليابس او الأخضر او شيء آخر، و «الأحلام» جمع «حلم» على وزن «رخم» معناه الطيف و الرؤيا، فيكون معنى أَضْغاثُ أَحْلامٍ هو الاطياف المختلطة، فكأنّها متشكّلة من مجموعة مختلفة و متفاوتة من الأشياء، و جاءت كلمة الأحلام في جملة وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ مسبوقة بالألف و اللام العهدية و هي اشارة الى انّ المعبّرين غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام.
و من اللازم ذكر هذه المسألة الدقيقة و هي: انّ اظهار عجز أولئك في الحقيقة كان من اجل انّ المفهوم الواقعي لهذه الرؤيا عندهم غير واضح، و لذلك عدّوها