الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - ٢- اختلاف حالات الأنبياء
كيف يمكن ان يكون هذا النّبي العظيم قد احسّ بريح قميص يوسف من مسافة قدّرها بعضهم بثمانين فرسخا، و قال بعضهم: من مسافة عشرة ايّام، مع انّه لم يطّلع على الحوادث القريبة منه التي مرّت على يوسف عند ما القي في الجبّ في ارض كنعان؟
و الجواب على هذا السؤال- مع الالتفات الى ما ذكرناه آنفا في شأن علم الغيب، و حدود علم الأنبياء و الائمّة- يسير لا غبار عليه، لانّ علمهم بالأمور الغيبيّة يستند الى علم اللّه و ارادته، و ما يشاؤه اللّه لهم من العلم «او عدمه» حتّى و لو كان ذلك في اقرب نقطة من نقاط العالم.
فيمكن تشبيههم من هذا الوجه بالقافلة التي تسير في ليل مظلم في صحراء تغشيها الغيوم و بينا هي على هذه الحال و إذا السّماء تومض بالبرق اللامع فتضيء الصحراء الى منتهى أطرافها، فترى القافلة بأمّ أعينها كلّ شيء امامها، الّا انّ البرق ينطفئ ثانية و يستوعب الظلام كلّ مكان فلا يرى احد شيئا.
و لعلّ الحديث الوارد عن الامام الصادق عليه السّلام في شأن علم الامام عليه السّلام اشارة الى هذا المعنى، إذ
جاء عنه عليه السّلام انّه قال: «جعل اللّه بينه و بين الامام عمودا من نور، ينظر اللّه به الى الامام، و ينظر الامام به اليه، فإذا أراد علم شيء نظر في ذلك النّور فعرفه» [١].
و مع الالتفات الى هذه الحقيقة، فلا مجال للتعجّب بأن تقتضي مشيئة اللّه سبحانه- لابتلاء يعقوب و تمحيصه ان لا يعرف يوما شيئا عن الحوادث في كنعان و هي تجري قريبا منه، و ان يحسّ برائحة قميص ولده يوسف و هو في مصر في يوم آخر عند ما قدّر له ان تنتهي محنته و بلواه.
[١] شرح نهج البلاغة، للخوئي، ج ٥، ص ٢٠٠.