الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - في قصر عزيز مصر
أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [١] فلا ينبغي ان تنظري اليه كما ينظر الى العبيد.
يستفاد من سياق الآية انّ عزيز مصر لم يرزق ولدا و كان في غاية الشوق للولد، و حين وقعت عيناه على هذا الصبيّ الجميل و السعيد تعلّق قلبه به ليكون مكان ولده.
ثمّ يضيف القرآن الكريم وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ.
هذا «التمكين» في الأرض امّا ان يكون لمجيء يوسف الى مصر، و خاصّة ان خطواته، في محيط مصر مقدّمة لما سيكون عليه من الاقتدار و المكانة القصوى، و امّا انّه لا قياس، بين هذه الحياة في مصر «العزيز» و بين تلك الحياة في غيابة الجبّ و الوحدة و الوحشة. فأين تلك الشدّة من هذه النعمة و الرفاه! و يضيف القرآن ايضا وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ.
المراد من «تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ»- كما أشرنا سابقا- هو علم تفسير الأحلام و تعبير الرؤيا حيث كان يوسف قادرا على ان يطلع على بعض اسرار المستقبل من خلاله، او المراد منه الوحي لانّ يوسف مع عبوره من المضايق الصعبة و الشدائد القاسية و نجاحه في الاختبارات الالهية في قصر عزيز مصر، نال الجدارة بحمل الرسالة و الوحي. و لكن الاحتمال الاوّل اقرب كما يبدو للنظر.
ثمّ يختتم القرآن هذه الآية بالقول: وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
انّ واحدة من مظاهر قدرة اللّه العجيبة و هيمنته على الأمور كلها ان يدع- في كثير من الموارد- اسباب موفقية الإنسان و نجاحه بيد أعدائه كما حدث في مسألة يوسف عليه السّلام، فلو لا خطة اخوته لم يصل الى الجبّ ابدا، و لو لم يصل الى الجبّ لما وصل الى مصر، و لو لم يصل الى مصر لما ذهب الى السجن و لما كان
[١] «المثوى» من مادة (ثوى) و معناه المقام، و لكن معناه هنا الموقعية و المنزلة و المقام كذلك.