الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨١ - المراد من كلمة «ربّي»
و ثالثا: انّنا نقرا في ذيل هذه الآية كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ و المراد بالفحشاء هو التلوّث و عدم العفّة .. و المراد بصرف السوء، هو نجاته من مخالف امراة العزيز، و على كلّ حال فحين راى يوسف برهان ربّه ... تجنّب الصراع مع امراة العزيز و ضربها، لانّه قد يكون دليلا على تجاوزه و عدوانه عليها، و لذا رجّح ان يبتعد عن ذلك المكان و يفرّ نحو الباب.
٣- ممّا لا شكّ فيه انّ يوسف كان شابّا يحمل جميع الاحاسيس التي في الشباب، و بالرغم من انّ غرائزه كانت طوع عقله و ايمانه .. الّا انّ مثل هذا الإنسان- بطبيعة الحال- يهيج طوفان في داخله لما يشاهده من مثيرات في هذا المجال، فيصطرع العقل و الغريزة، و كلّما كانت أمواج المثيرات اشدّ كانت كفّة الغرائز أرجح، حتّى انّها قد تصل في لحظة خاطفة الى أقصى مرحلة من القوّة، بحيث لو تجاوز هذه المرحلة خطوة لهوى في مزلق مهول، و لكنّ قوّة الايمان و العقل ثارت في نفسه فجأة و تسلّمت زمام الأمور في انقلاب عسكري سريع و كبحت جماح الشهوة.
و القرآن يصوّر هذه اللحظة الخاطفة الحسّاسة و المتأزّمة التي وقعت بين زمانين هادئين- في الآية المتقدّمة- فيكون المراد من قوله تعالى: وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ انّ يوسف انجرّ الى حافّة الهاوية في الصراع بين الغريزة العقل، و لكن فجأة ثارت قوّة الايمان و العقل و هزمت طوفان الغريزة [١] .. لئلّا يتصوّر احد انّ يوسف عند ما استطاع ان يخلّص نفسه من هذه الهاوية فلم يقم بعمل مهمّ، لانّ اسباب الذنب و الهياج الجنسي كانت فيه ضعيفة .. كلّا ابدا .. فهو في هذه اللحظة الحسّاسة جاهد نفسه اشدّ الجهاد.
[١] مقتبس من تفسير «في ظلال القرآن» لسيّد قطب ذيل الآية ج ٤ ص ٧١١.