الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - موافقة يعقوب
حصّتهم من الحبوب و المؤن.
و من هنا يقول القرآن: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ و لا سبيل لنا للحصول عليه الّا ان ترسل معنا أخانا فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ و كن على يقين من انّنا سوف نحافظ عليه و نمنعه من الآخرين وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
امّا الأب الشيخ الكبير الذي لم يمح صورة (يوسف) عن ذاكرته مرّ السنين فإنّه حينما سمع هذا الكلام استولى عليه الخوف و قال لهم معاتبا: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فكيف تتوقّعون منّي ان اطمئن بكم و البّي طلبكم و اوافق على سفر ولدي و فلذّة كبدي معكم الى بلاد بعيدة، و لا زلت اذكر تخلفّكم في المرّة السابقة عن عهدكم، ثمّ أضاف فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ هذه العبارة لعلّها اشارة الى ما تحدّثت به نفس يعقوب من انّه يصعب عليّ ان اوافق على سفر بنيامين معكم و قد عرفت سوءكم في المرّة السابقة، لكن حتّى لو وافقت على ذلك فإنّني اتّكل على اللّه سبحانه و تعالى الذي هو ارحم الراحمين و اطلب رعايته و حفظه منه لا منكم.
الآية السابقة لا تدلّ على الموافقة القطعيّة و قبوله لطلبهم، و انّما هي مجرّد احتمال منه حيث انّ الآيات القادمة تظهر انّ يعقوب لم يكن قد وافق على طلبهم الّا بعد ان أخذ منهم العهود و المواثيق، و الاحتمال الآخر هو انّ هذه الآية لعلّها اشارة الى يوسف، حيث كان يعلم انّه على قيد الحياة (و سوف نقرا في الآيات القادمة انّه كان على يقين بحياة يوسف) فدعا له بالحفظ.
ثمّ انّ الاخوة حينما عادوا من مصر وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ فشاهدوا انّ هذا الأمر هو برهان قاطع على صحّة طلبهم، فجاءوا الى أبيهم و قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا و هل هناك فضل و كرم اكثر من هذا ان يقوم حاكم اجنبي و في ظروف القحط و الجفاف،