الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٧ - اليأس علامة الكفر
و الطريف انّ اخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم اوّلا، بل حاولوا الحصول على الطعام، و لأجل ذلك قابلوا العزيز و طلبوا منه المؤن و الحبوب، و لعلّ السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف، او لعلّهم أرادوا ان يظهروا أنفسهم امام العزيز و المصريين و كأنّهم أناس جاؤوا لشراء الطعام و الحبوب فقط، فمن ثمّ يطرحوا مشكلتهم امام العزيز و يطلبوا منه المساعدة، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى و احتمال تنفيذه اكثر.
قال بعض المفسّرين: انّ مقصود الاخوة من قولهم: تَصَدَّقْ عَلَيْنا كان طلب الإفراج عن أخيهم لانّهم لم يطلبوا من العزيز الطعام و الحبوب مجّانا دون عوض حتّى يطلبوا منه التصدّق عليهم، فإنّهم يدفعون ثمنه.
و نقرا في روايات وردت في هذا المقام، انّ الاخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم الى عزيز مصر، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر و اكبر عدالته و صلاحه و شكره على ما بذله له و لعائلته من الطعام و الحبوب، ثمّ عرّف نفسه و الأنبياء من اهل بيته و أخبره برزاياه و ما تحمله من المصائب و المصاعب من فقده اعزّ أولاده و احبّهم الى نفسه يوسف و أخيه بنيامين، و ما أصابهم من القحط و الغلاء، و في ختام الرسالة طلب من العزيز ان يمنّ عليه و يطلق سراح ولده بنيامين، و ذكّره انّ بنيامين سليل بيت النبوّة و الرسالة و انّه لا يتلوّث بالسرقة و غيرها من الدناءات و المعاصي.
و حينما قدّم الأولاد رسالة أبيهم الى العزيز شاهدوا انّه فضّ الرسالة باحترام و قبلها و وضعها على عينيه و بدا يبكي بحيث انّ الدموع بلّت ثيابه [١] (و هذا ما حيّر الاخوة، و بداوا يفكّرون بعلاقة العزيز مع أبيهم بحيث جعله يبكي شوقا و شغفا حينما فتحها، و لعلّ فعل العزيز اثار عندهم احتمال ان يكون يوسف هو العزيز، و لعلّ هذه الرسالة أثارت عواطف العزيز و شعوره بحيث لم يطق صبرا
[١] مجمع البيان، ذيل الآية الشريفة.