الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٥ - عامل الانحراف و الفساد في المجتمعات
البلاء قائلة: فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ ثمّ تستثني جماعة فتقول: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا.
هذه الجماعة القليلة و ان كانت تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، و لكنّها كحال لوط عليه السّلام و أسرته الصغيرة، و نوح و المعدودين ممن آمن به، و صالح و جماعة من اتباعه، فإنّهم كانوا قلّة لم توفق للإصلاح العام و الكلي في المجتمع.
و على كل حال فإنّ الظالمين الذين كانوا يشكلون القسم الأكبر من المجتمع اتبعوا لذاتهم و تنعمهم، و كما تقول الآية: وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كانُوا مُجْرِمِينَ.
و للتأكيد على هذه الحقيقة، تأتي الآية الثّانية لتقول: انّ هذا الذي ترون من إهلاك اللّه للأمم، إنّما كان لعدم وجود المصلحين فيهم وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ.
و أحيانا يسود الظلم و الفساد في المجتمع، لكن المهم انّ الناس يشعرون بالظلم و الفساد و هم في طريق الإصلاح، و بهذا الشعور و الاحساس و التحرك بخطوات في طريق الإصلاح يمهلهم اللّه، و يقرّ لهم قانون الخلق حق الحياة.
و لكن هذا الاحساس متى ما انعدم و أصبح المجتمع صامتا، و أخذ الفساد و الظلم في الانتشار بكل مكان فإنّ قانون الخلق و الوجود لا يعطيهم الحق في الحياة، و هذه الحقيقة تتضح بمثال يسير ... في البدن قوّة و مناعة كريّات الدم البيضاء التي تواجه المكروبات و الجراثيم عند دخولها البدن عن طريق الهواء او الغذاء او الماء او الجروح الجلدية إلخ ...
و هذه الكريّات البيضاء بمثابة الجنود المقاتلة إذ تقف بوجه المكروبات و الجراثيم فتبيدها، او على الأقل تحدّ من انتشارها و نموّها.
و بديهي ان هذه القوة الدفاعية التي تتشكل من ملايين الجنود، لو أضربت يوما عن العمل و بقي البدن دون مدافع، فسيكون ميدانا لهجوم الجراثيم الضارّة