الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - ٤- قصّة يوسف قبل الإسلام و بعده
٤- قصّة يوسف قبل الإسلام و بعده
لا شكّ انّ قصّة يوسف كانت مشهورة و معروفة بين الناس قبل الإسلام، لانّها مذكورة في (١٤) فصلا من [سفر التكوين] في التوراة بين [الفصل ٣٧- ٥٠] ذكرا مفصلا.
و بطبيعة الحال فإنّ المطالعة الدقيقة في هذه الفصول الاربعة عشر تكشف مدى الاختلاف بين ما جاء في التوراة و ما جاء في القرآن.
و بالمقارنة بين نصّ التوراة و نصّ القرآن نجد انّ نصّ القصّة في القرآن في غاية الصدق و تخلو من اي خرافة.
و ما يقوله القرآن للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ يشير الى قصّة يوسف التي عبّر عنها بأحسن القصص، حيث لم يكن النّبي مطّلعا على حقيقتها الخالصة.
و يظهر من التوراة انّ يعقوب عليه السّلام لما راى قميص يوسف ملطخا بالدم قال:
هذا قميص ولدي و قد اكله الحيوان المفترس، فيوسف ممزق الأحشاء ثمّ خرّق يعقوب ثوبه و شدّ الحزام على ظهره و جلس ايّاما للبكاء و النواح على يوسف، و قد عزّاه جميع ابنائه ذكورا و إناثا الّا انه امتنع ان يقبل تعزيتهم و قال: سأدفن في القبر حزنا على ولدي.
بيد انّ القرآن يبيّن: انّ يعقوب لم يصدّق ما قاله أولاده، و لم يفزع و لم يجزع لمصيبة ولده يوسف، بل ادّى ما عليه من سنّة الأنبياء من الصبر و التوكل على اللّه، و قال لأبنائه: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ و ان كان قلبه يحترق على فراق ولده و عيناه تدمعان من اجله حتى ابيضتا و عميتا، و لكن- و كما يعبر القرآن- لم يقم بأي عمل من قبيل تخريق الثوب و النواح و شدّ الحزام على ظهره- و الذي كان علامة للمصيبة و «العزاء»- و انّما قال: «صبر جميل» و كتم حزنه «فهو كظيم».