الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - في قصر عزيز مصر
هناك اثر من رؤيا فرعون التي أصبح يوسف بسببها عزيز مصر! ففي الحقيقة ان اللّه اجلس يوسف على عرش الاقتدار بواسطة اخوته الذين تصوروا انّهم سيقضون عليه في تركهم ايّاه في غيابة الجبّ.
لقد واجه يوسف في هذا المحيط الجديد، الذي يعدّ واحدا من المراكز السياسية المهمة في مصر مسائل مستحدثة ... فمن جهة كان يرى قصور الطغاة المدهشة و ثرواتهم و من جهة اخرى كانت تتجسد في ذهنه صورة أسواق النخاسين و بيع المماليك و العبيد ... و من خلال الموازنة بين هاتين الصورتين كان يفكر في كيفية القضاء على هموم المستضعفين من الناس لو أصبح مقتدرا على ذلك! اجل، لقد تعلم الكثير من هذه الأشياء في هذا المحيط المفعم بالضوضاء، و كان قلبه يفيض همّا لانّ الظروف لم تتهيأ له بعد. فاشتغل بتهذيب نفسه و بنائها، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
كلمة «اشدّ» مشتقّة من مادة «شدّ» و تعني فتل العقدة باستحكام ... و هي هنا اشارة الى الاستحكام الجسماني و الروحاني.
قال بعضهم: انّ هذه الكلمة جمع لا مفرد لها ... و لكن البعض الآخر قال: انّها جمع (شدّ) على وزن (سدّ) و لكن معناها الجمعي غير قابل للإنكار على كل حال! المراد من «الحكم» و «العلم» الواردين في الآية المتقدمة التي تقول: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً ... امّا ان يكون مقام النبوّة كما ذهب الى ذلك بعض المفسّرين، و امّا ان يكون المراد من الحكم العقل و الفهم و القدرة على القضاء الصحيح الخالي من اتباع الهوى و الاشتباه. و المراد من العلم الاطلاع الذي لا يقترن معه الجهل، و مهما كان فإنّ الحكم و العلم موهبتان نادرتان وهبهما