الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - ٢- التّفسير المعنوي
كثيرة من هذه الأحلام، و هذه الأحلام لا يمكن تعبيرها عن طريق التّفسير المادي ابدا، و انما الطريق الوحيد هو تعبير فلاسفة الروح و الاعتقاد باستقلال الروح، و من مجموع هذه الأحلام يمكن ان نستفيد منها كشاهد على استقلال الروح.
٢- في الآيات- محل البحث- نلاحظ ان يعقوب- بالاضافة الى تحذيره لولده يوسف من ان يقصّ رؤياه على اخوته- فإنّه عبر عن رؤياه بصورة اجماليّة و قال له وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ.
و دلالة رؤيا يوسف على انّه سيبلغ في المستقبل مقامات كبيرة معنوية و مادية يمكن دركها تماما ... و لكن يبرز هذا السؤال، و هو: كيف عرف يعقوب انّ ابنه يوسف سيعلم تأويل الأحاديث في المستقبل؟ اهو خبر أخبره يعقوب ليوسف مصادفة و لا علاقة له بالرؤيا، ام انّه اكتشف ذلك من رؤيا يوسف؟
الظاهر ان يعقوب فهم ذلك من رؤيا يوسف، و يمكن ان يكون ذلك عن احد طريقين:
الاوّل: انّ يوسف في حداثة سنّه و قد نقل لأبيه- خاصّة- بعيدا عن أعين اخوته (لانّ أباه أوصاه ان لا يقصّها على اخوته) و هذا الأمر يدلّ على ان يوسف نفسه كان له احساس خاص برؤياه بحيث لم يقصصها بمحضر الجميع ....
و لانّ مثل هذا الاحساس في صبيّ- كيوسف عليه السّلام- يدلّ على انّ له استعدادا روحيّا لتعبير الرؤيا، و انّ أباه قد احسّ بهذا الاستعداد ... و بالتربية الصحيحة سيكون له في المستقبل حظّ زاهر في هذا المجال.
الثّاني: انّ ارتباط الأنبياء، بعالم الغيب له عدّة طرق، فمرّة عن طريق «الإلهامات القلبية» و تارة عن طريق «ملك الوحي» و اخرى عن طريق «الرؤيا».
و بالرغم من انّ يوسف لم يكن نبيّا في ذلك الوقت، لكن رؤيته لهذه الرؤيا ذات المعنى الكبير يدلّ على ان سيكون له ارتباط بعالم الغيب في المستقبل،