الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٣ - الذين استجابوا لدعوة الحقّ
وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ.
لا توجد صيغة أوضح من هذه الآية في بيان شدّة عذابهم و عقابهم، يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض و ضعفه ايضا و يفتدي به للنجاة و لا يحصل النجاة.
تشير هذه الجملة في الواقع الى آخر امنية و التي لا يمكن ان يتصوّر اكثر منها، و هي ان يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض، و لكن شدّة العذاب للظالمين و مخالفي الحقّ تصل بهم الى درجة ان يفتدوا بكلّ هذه الامنية او أكثر منها لنجاتهم. و لنفرض انّها قبلت منهم فتكون نجاتهم من العذاب فقط، و لكن الثواب العظيم يكون من نصيب الذين استجابوا لدعوة الحقّ.
و من هنا يتّضح انّ العبارة وَ مِثْلَهُ مَعَهُ ليس المقصود منها ان يكون لهم ضعف ما في الأرض، بل انّهم مهما ملكوا اكثر من ذلك فانّهم مستعدّون للتنازل عنه مقابل نجاتهم من العذاب. و دليله واضح، لانّ الإنسان يطلب كلّ شيء لمنفعته، و لكن عند ما يجد نفسه غارقا في العذاب فما فائدة تملكه للدنيا كلّها؟
و على اثر هذا الشقاء (عدم قبول ما في الأرض مقابل نجاتهم) يشير القرآن الكريم الى شقاء آخر أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ.
فما هو المقصود من سوء الحساب؟
للمفسّرين آراء مختلفة حيث يعتقد البعض انّه الحساب الدقيق بدون اي عفو او مسامحة، فسوء الحساب ليس بمفهوم الظلم، لانّ اللّه سبحانه و تعالى هو العدل المطلق، و يؤيّد هذا المعنى الحديث الوارد
عن الامام الصادق عليه السّلام انّه قال لرجل: «يا فلان مالك و لأخيك؟» قال: جعلت فداك كان لي عليه حقّ فأستقصيت منه حقّي الى آخره، و عنده سماع الامام لهذا الجواب غضب و جلس ثمّ قال:
«كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسيء اليه! أ رأيت ما حكى اللّه عزّ و جلّ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ أ تراهم يخافون اللّه ان يجور عليهم؟! لا و اللّه ما خافوا الّا الاستقصاء