الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٢ - دعاء ابراهيم عليه السّلام
ابراهيم ان يذهب بهما الى مكان آخر، فاستجاب لها ابراهيم طبقا للأوامر الالهيّة، و جاء بإسماعيل و امّه الى صحراء مكّة القاحلة، ثمّ ودّعهم و ذهب.
و لم يمض قليل من الوقت حتّى عطشت الامّ و ابنها في تلك الشمس المحرقة، وسعت هاجر كثيرا في انقاذ ابنها، و لكنّ اللّه تعالى أراد ان تكون تلك الأرض قاعدة عظيمة للعبادة فأظهر عين زمزم، و لم يمض وقت حتّى علمت قبيلة «جرهم» البدوية التي كانت قريبة منهم بالأمر، فرحلوا و أقاموا عندهم، فأخذت مكّة بالتحضّر شيئا فشيئا.
ثمّ يتابع ابراهيم عليه السّلام دعاءه: الهي، انّ اهلي قد سكنوا في هذه الصحراء المحرقة احتراما لبيتك المحرّم: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
و من هنا لمّا كان الإنسان الموحّد و العارف يعلم بمحدودية علمه في مقابل علم اللّه، و انّه يعلم مصلحته الّا اللّه تعالى، فما اكثر ما يطلب شيئا من اللّه و ليس فيه صلاحه، او لا يطلبه و فيه صلاحه، و أحيانا لا يستطيع ان يقوله بلسانه فيضمره في اعماق قلبه، و لذلك يعقّب على ما مضى من دعائه و يقول: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ.
فان كنت مغتمّا لفراق ابني و زوجتي فأنت تعلم بذلك .. و ترى دموع عيني المنهملة. و ان كان قلبي قد ملأه همّ الفراق، و امتزج بفرح العمل بالتكليف و الطاعة لاوامرك فأنت اعلم بذلك ..
و عند ما فارقت زوجتي و قالت لي: «الى من تكلني» فأنت أدرى بها و بمستقبلها و مستقبل هذه الأرض.
ثمّ يشير القرآن الى شكر ابراهيم عليه السّلام لنعمه تعالى و التي هي من اهمّ ما امتاز به عليه السّلام .. شكره على منحه ولدين بارّين إسماعيل و إسحاق و ذلك في سنّ