الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٦ - موافقة يعقوب
بمساعدتنا و يبيع لنا الحبوب و المؤن ثمّ يردّ إلينا ما دفعناه ثمنا له؟! ثمّ انّه ردّ بضاعتنا علينا بشكل خفي بحيث لا يستثير فينا الخجل- أ ليس هذا غاية الجود و الكرم؟! فيا أبانا ليس هناك مجال للتأخير- ابعث معنا أخانا لكي نسافر و نشتري الطعام وَ نَمِيرُ أَهْلَنا و سوف نكون جادّين في حفظ أخينا وَ نَحْفَظُ أَخانا، و هكذا نتمكّن من ان نشتري كيل بعير من الحبوب وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ و انّنا على يقين في انّ سماحة العزيز و كرمه- سوف يسهّلان حصوله و ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ.
و في كلّ الأحوال- رفض يعقوب إرسال ابنه بنيامين معهم، و لكنّه كان يواجه إصرار أولاده بمنطقهم القوي بحيث اضطرّ الى التنازل على مطلبهم و لم ير بدّا من القبول، و لكنّه وافق بشرط: قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ، و المقصود من قوله مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ هو العهد و اليمين المتضمّن لاسم اللّه سبحانه و تعالى، و امّا جملة إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فهي في الواقع بمعنى- الّا إذا أحاطت بكم و غلبتكم الحوادث، و لعلّها اشارة الى حوادث الموت او غيرها من الحوادث و المصائب التي تسلب قدرة الإنسان و تقصم ظهره و تجعله عاجزا.
و ذكر هذا الاستثناء دليل بارز على ذكاء نبي اللّه يعقوب و فطنته، فإنّه برغم حبّه الشديد لولده بنيامين لكنّه لم يحمل أولاده بما لا يطيقوا و قال لهم: انّكم مسئولون عن سلامة ولدي العزيز و انّي سوف اطلبه منكم الّا ان تغلبكم الحوادث القاهرة، فحينئذ لا حرج عليكم.
و على كلّ حال فقد وافق اخوة يوسف بدورهم على شرط أبيهم، و حينما أعطوه العهد و المواثيق المغلّظة قال يعقوب: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ.