الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - ٢- ما هو البداء
عاقل و عارف ان يحتمل انّ هناك أمورا خافية على اللّه ثمّ تظهر له بمرور الايّام، فهذا القول هو الكفر بعينه، و لازمه نسبة الجهل و عدم المعرفة الى ذاته المقدّسة، و انّ ذاته محلّا للتغيير و الحوادث.
و حاشا للشيعة الاماميّة ان يحتملوا ذلك بالنسبة لذات اللّه المقدّسة! انّ ما يعتقده الشيعة من معنى البداء و يصرّون عليه، هو طبقا لما
جاء في روايات اهل البيت عليهم السّلام: ما عرف اللّه حقّ معرفته
من لم يعرفه بالبداء.
كثيرا ما يكون- و طبقا لظواهر العلل و الأسباب- ان نشعر انّ حادثة ما سوف تقع او انّ وقوع مثل هذه الحادثة قد اخبر عنه النّبي، في الوقت الذي نرى انّ هذه الحادثة لم تقع، فنقول حينها: انّ «البداء» قد حصل، و هذا يعني انّ الذي كنّا نراه بحسب الظاهر سوف يقع و اعتقدنا تحقّقه بشكل قاطع قد ظهر خلافه.
و الأصل في هذا المعنى هو ما قلناه في بحثنا السابق، و هو انّ معرفتنا مرّة تكون فقط بالعلل الناقصة، و لا نرى الشروط و الموانع و نقضي طبقا لذلك، و لكن بعد ان نواجه فقدان الشرط او وجود المانع و يتحقّق خلاف ما كنّا نتوقّعه سوف ننتبه الى هذه المسائل. و كذلك قد يعلم النّبي او الامام بأمور مكتوبة في لوح المحو و الإثبات القابل للتغيير طبعا، فقد لا تتحقّق أحيانا لمواجهتها بالموانع و فقدان الشروط.
و لكي تتّضح هذه الحقيقة لا بدّ من مقايسة بين «النسخ» و «البداء»: نحن نعلم انّ النسخ جائز عند جميع المسلمين، يعني من الممكن ان ينزل حكم في الشريعة فيتصوّر الناس انّ هذا الحكم دائمي، لكي بعد مدّة يعلن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن تغيير هذا الحكم و ينسخه، و يحلّ محلّه حكما آخر (كما قرانا في حادثة تغيير القبلة).
انّ هذا في الحقيقة نوع من «البداء» و لكن في القضايا التشريعيّة و القوانين و الأحكام يسمّونه ب «النسخ» و في الأمور التكوينيّة يسمّى ب «البداء» و يقال