الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩ - المنطق الواهي
الرَّشِيدُ هل كان كلاما واقعيا من منطلق الايمان به، ام هو على سبيل الاستهزاء و السخرية؟! احتمل المفسّرون الوجهين و لكن مع ملاحظة أسلوب سؤالهم أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ الذي يستبطن الاستهزاء، يظهر انّ هذه الجملة على نحو الاستهزاء، و هي اشارة الى انّ الإنسان الحليم الرشيد هو من لم يتعجل القول او الراي في امر دون ان يسبر غوره و يعرف كنهه، و الإنسان العاقل الرشيد هو من لم يسحق سنن قومه تحت رجليه و يسلب حريتهم في التصرف بأموالهم، فيظهر انّك لم تسبر غور الأمور و ليس لديك عقل حصيف و فكر عميق، لانّ الفكر العميق و العقل يوجبان على الإنسان الّا يرفع يده عن طريقة السلف، و لا يسلب من الآخرين الاختيار و حرية العمل.
و لكن شعيبا ردّ على من اتّهمه بالسفه و قلّة العقل بكلام متين و قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً [١].
انّه يريد ان يفهم قومه انّ في عمله هذا هدفا معنويا و انسانيا و تربويا، و انّه يعرف حقائق لا يعرفها قومه، و الإنسان دائما عدوّ ما جهل.
و من الطريف انّه في هذه الآيات يكرر عبارة يا قَوْمِ و ذلك ليعبّئ عواطفهم لقبول الحق و ليشعرهم بأنّهم منه و انّه منهم، سواء أ كان المقصود بالقوم القبيلة او الطائفة او الجماعة او الاسرة، ام كان المقصود الجماعة التي كان يعيش وسطهم و يعدّ جزءا منهم.
ثمّ يضيف هذا النّبي العظيم قائلا: وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ فلا تتصوروا انني أقول لكم لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تنقصوا المكيال، و انا ابخس الناس او انقص المكيال، او أقول لكم لا تعبدوا الأوثان و انا افعل
[١] ينبغي الالتفات الى انّ جزاء الجملة الشرطية محذوف هنا و تقديره هكذا، أ فأعدل مع ذلك عمّا انا عليه من عبادته و تبليغ دينه.