الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ٤٤
وَ كَلَّمَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : «لَيْسَ هذَا مَوْضِعَ ذلِكَ ، نَلْتَقِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَرَجَعَ أَبِي مَسْرُوراً . ثُمَّ أَقَامَ حَتّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ ، انْطَلَقْنَا حَتّى أَتَيْنَاهُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبِي وَ أَنَا مَعَهُ ، فَابْتَدَأَ الْكَلَامَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ : قَدْ عَلِمْتَ - جُعِلْتُ فِدَاكَ - أَنَّ السِّنَّ لِي عَلَيْكَ ، وَ أَنَّ فِي قَوْمِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ ، وَ لكِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَ جَلَّ - قَدْ قَدَّمَ لَكَ فَضْلاً لَيْسَ هُوَ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْمِكَ ، وَ قَدْ جِئْتُكَ مُعْتَمِداً لِمَا أَعْلَمُ مِنْ بِرِّكَ ، وَ أَعْلَمُ - فَدَيْتُكَ - أَنَّكَ إِذَا أَجَبْتَنِي لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِّي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ ، وَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيَّ اثْنَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ لَا غَيْرِهِمْ . فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : «إِنَّكَ تَجِدُ غَيْرِي أَطْوَعَ لَكَ مِنِّي ، وَ لَا حَاجَةَ لَكَ فِيَّ ؛ فَوَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ أَوْ أَهُمُّ بِهَا ، فَأَثْقُلُ عَنْهَا ، وَ أُرِيدُ الْحَجَّ فَمَا أُدْرِكُهُ إِلَّا بَعْدَ كَدٍّ وَ تَعَبٍ وَ مَشَقَّةٍ عَلى نَفْسِي ؛ فَاطْلُبْ غَيْرِي ، وَ سَلْهُ ذلِكَ ، وَ لَا تُعْلِمْهُمْ أَنَّكَ جِئْتَنِي» . فَقَالَ لَهُ : إِنَّ النَّاسَ مَادُّونَ أَعْنَاقَهُمْ إِلَيْكَ ، وَ إِنْ أَجَبْتَنِي لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِّي أَحَدٌ ، وَ لَكَ أَنْ لَا تُكَلَّفَ قِتَالاً وَ لَا مَكْرُوهاً. قَالَ : وَ هَجَمَ عَلَيْنَا نَاسٌ فَدَخَلُوا ، وَ قَطَعُوا كَلَامَنَا ، فَقَالَ أَبِي : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ : «نَلْتَقِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَقَالَ : أَ لَيْسَ عَلى مَا أُحِبُّ ؟ فَقَالَ : «عَلى مَا نُحِبُ[١] - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ إِصْلَاحِكَ». ثُمَّ انْصَرَفَ حَتّى جَاءَ الْبَيْتَ ، فَبَعَثَ رَسُولاً إِلى مُحَمَّدٍ فِي جَبَلٍ بِجُهَيْنَةَ - يُقَالُ لَهُ : الْأَشْقَرُ - عَلى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَبَشَّرَهُ ، وَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ لَهُ بِوَجْهِ حَاجَتِهِ وَ مَا طَلَبَ . ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَوُقِّفْنَا بِالْبَابِ - وَ لَمْ نَكُنْ نُحْجَبُ إِذَا جِئْنَا - فَأَبْطَأَ الرَّسُولُ ، ثُمَّ أَذِنَ لَنَا ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، فَجَلَسْنَا[٢] فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ ، وَ دَنَا أَبِي إِلَيْهِ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، قَدْ عُدْتُ إِلَيْكَ رَاجِياً ، مُؤَمِّلاً ، قَدِ انْبَسَطَ رَجَائِي وَ أَمَلِي ، وَ رَجَوْتُ الدَّرْكَ لِحَاجَتِي .
[١] في الكافي المطبوع: «تحبّ».[٢] في حاشية «الف» والكافي المطبوع: «فجلست».