الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٦٢
الشرعية، وأمّا شروط صحة العقود والمعاملات فهي أجنبية عن مفاد قاعدة الجبّ، خصوصاً بعد أن لم تثبت القاعدة بدليل لفظي مطلق.
نعم، توجد في معاملات الكفّار قواعد اخرى كقاعدة الإلزام وقاعدة أنّ لكلّ قوم نكاح، وهي أيضاً محدودة بشروط يأتي تفصيلها في محلّه.
كما أنّه ليس معنى صحّة العقود عدم الاعتناء بما ينبغي مراعاته على مستوى مرحلة البقاء في حال الإسلام، فلو تزوّج المجوسي من امّه أو بنته أو اخته فالقاعدة لا تفيد أكثر من جَبّ المخالفات السابقة واعتبارها كالعدم من حيث الحرمة والعقوبة، دون الآثار الوضعية التي تترتب عليها بالفعل، فلابدّ من التفريق بينهما بعد إسلامهما.
ونفس الكلام نقوله فيما لو أسلم أحد الزوجين دون الآخر، فإنّه لا يعني إقرار حالته الزوجيّة وابقاءها على ما كانت عليه سابقاً، بل لابدّ من التفريق بينهما والحكم بزوال علقة الزوجيّة؛ لأنّ هذا لا ربط له بقاعدة الجبّ؛ والسبب في ذلك أنّ هذه العناوين الحاصلة حال الكفر باقية بعد الإسلام أيضاً، فتترتّب عليها أحكامها، ويصدق بعد إسلام الكافر في الحالات المتقدّمة كون الزوجة امّاً له أو بنتاً أو اختاً، أو كون الزوجتين حرّة وأمة، أو كونهما عمّة وبنت الأخ، أو خالة وبنت الاخت، أو كونهما اختين، أو بنتاً وامّاً نسبيّة، أو رضاعيّة، وغير ذلك من العناوين المشمولة لأدلّة التحريم ولو في مرحلة البقاء [١].
نعم، ذهب بعض الفقهاء إلى جريان حديث الجَبّ في الكافر لو وطأ امرأة ذات بعل أو كانت في عدّتها، فإنّ حرمة نكاحها ترتفع بمجرّد اعتناقه الإسلام، وكذا لو زنى بامرأة فإنّ حرمة بنتها وامّها ترتفع بإسلامه، وكذا لو أوقب غلاماً فإنّ حرمة الزواج من امّه واخته وبنته ترتفع أيضاً بمجرّد إسلامه؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله [٢].
وقد عرفت الإشكال في ارتباط نفي مثل هذه الامور والأحكام بالقاعدة.
و- صحّة الإيقاعات السابقة:
وهي الطلاق والنذر واليمين وغيرها:
أمّا الطلاق فبعضهم استدلّ على صحّته بالقاعدة، وقد عرفت الإشكال في مثل هذا الاستدلال وإنّما الجاري هنا قاعدة اخرى فقهية هي قاعدة لكلّ قوم نكاح.
هذا فيما لو طلّق حال الكفر ولم يحصل رجوع ونحوه.
وأمّا لو طلّق مرّة ثمّ رجع ثمّ أسلم ثمّ
[١] انظر: القواعد الفقهية (المكارم) ٢: ١٨٧.
[٢] القواعد الفقهية (البجنوردي) ١: ٥٥- ٥٦، وهذا تفصيل منه قدس سره بين الأمثلة المذكورة في المتن، فلا تكون سبباً لتحقّق التحريم؛ لجريان القاعدة فيها، وبين مثل الرضاع الحاصل حال الكفر، فإنّه يوجب أحد العناوين المحرّمة كالامومة والبنتية والاختية، ومع حصول أحد هذه العناوين لا يمكن أن يكون إسلامه رافعاً للحرمة عن اخته الرضاعية مثلًا.
وأجاب عنه بعضهم بأنّ تحقّق هذه العناوين إنّما هو بمعونة التعبّد بأنّ الرضاع لحمة كلحمة النسب؛ ضرورة أنّه لو لم يكن هذا التعبّد لما تحقّقت هذه العناوين أصلًا. على أنّ كون العناوين تكوينية لا ينافي جريان القاعدة؛ لوضوح كون الأحكام المترتّبة عليها شرعية تعبّدية، وجريان القاعدة إنّما هو بلحاظ تلك الأحكام لا بلحاظ العناوين. انظر: القواعد الفقهية (اللنكراني) ١: ٢٧٦.