البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٢ - صفة عود الملك الناصر
و يأمنوا في أوطانهم، و شرع الناس في الزينة و دقت البشائر و نام الناس في الاسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد، و خرج القضاة، و الأمراء و الأعيان لتلقيه.
قال كاتبه ابن كثير: و كنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة و بسط له من عند المصلى و عليه أبهة الملك و بسطت الشقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، و الجد على رأسه و الأمراء السلحدارية عن يمينه و شماله، و بين يديه، و الناس يدعون له و يضجون بذلك ضجيجا عاليا، و كان يوما مشهودا. قال الشيخ علم الدين البرزالي: و كان على السلطان يومئذ عمامة بيضاء، و كلوثة حمراء، و كان الّذي حمل الغاشية على رأس السلطان الحاج بهادر و عليه خلعة معظمة مذهبة بفرو فاخم. و لما وصل إلى القلعة نصب له الجسر و نزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبل الأرض بين يديه، فأشار إليه إني الآن لا أنزل هاهنا، و سار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق و الأمراء بين يديه، فخطب له يوم الجمعة.
و في بكرة يوم السبت الثاني و العشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائب دمشق مطيعا للسلطان، فقبل الأرض بين يديه، فترجل له السلطان و أكرمه و أذن له في مباشرة النيابة على عادته، و فرح الناس بطاعة الأفرم له، و وصل إليه أيضا الأمير سيف الدين قبجق نائب حماة، و الأمير سيف الدين استدمر نائب طرابلس يوم الاثنين الرابع و العشرين من شعبان، و خرج الناس لتلقيهما، و تلقاهما السلطان كما تلقى الأفرم. و في هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة و عوده إلى تقى الدين سليمان، و هنأه الناس و جاء إلى السلطان إلى القصر فسلم عليه و مضى إلى الجوزية فحكم بها ثلاثة أشهر، و أقيمت الجمعة الثانية بالميدان و حضر السلطان و القضاة إلى جانبه، و أكابر الأمراء و الدولة، و كثير من العامة. و في هذا اليوم وصل إلى السلطان الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب و خرج دهليز السلطان يوم الخميس رابع رمضان و معه القضاة و القراء وقت العصر، و أقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، و في صحبته ابن صصريّ و صدر الدين الحنفي قاضى العساكر، و الخطيب جلال الدين، و الشيخ كمال الدين بن الزملكانى، و الموقعون و ديوان الجيش و جيش الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه و أقاليمه بنوا به و أمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غزة دخلها في أبهة عظيمة، و تلقاه الأمير سيف الدين بهادر هو و جماعة من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفر قد خلع نفسه من المملكة، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر إلى السلطان و أخبروه بذلك، فطابت قلوب الشاميين و استبشروا بذلك و دقت البشائر و تأخر مجيء البريد بصورة الناصري.