البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - نبيه على واقعة غريبة و اتفاق عجيب
منها، تكرر هذا منها مرارا، و أخبرنى المحدث المفيد التقى نور الدين أحمد بن المقصوص بمشاهدته ذلك.
و في العشر الأوسط من جمادى الآخرة نادى مناد من جهة نائب السلطنة حرسه اللَّه تعالى في البلد أن النساء يمشين في تستر و يلبسن أزرهن إلى أسفل من سائر ثيابهن، و لا يظهرن زينة و لا يدا، فامتثلن ذلك و للَّه الحمد و المنة. و قدم أمير العرب جبار بن مهنا في أبهة هائلة، و تلقاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق، و هو قاصد إلى الأبواب الشريفة. و في أواخر رجب قدم الأمير سيف الدين تمر المهمندار من نيابة غزة حاجب الحجاب بدمشق، و على مقدمة رأس الميمنة، و أطلق نائب السلطنة مكوسات كثيرة، مثل مكس الحداية و الخزل المرددن الحلب و الطبابى، و أبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم، و ما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة و نصف، و جعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت، و هذا حسن جدا، و كذلك منع التحجر في بيع البلح المختص به، و بيع مثل بقية الناس من غير طرحان فرخص على الناس في هذه السنة جدا، حتى قيل إنه بيع القنطار بعشرة، و ما حولها.
و في شهر شعبان قدم الأمير جبار بن مهنا من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق و تلقاه نائب السلطنة و أكرم كل منهما الآخر، ثم ترحل بعد أيام قلائل، و قدم الأمراء الذين كانوا بحبس الاسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه، و فيهم الأمير شهاب الدين بن صبح و سيف الدين طيدمر الحاجب، و طيبرف و مقدم ألف، و عمر شاه، و هذا و نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر أعزه اللَّه يبطل المكوسات شيئا بعد شيء مما فيه مضرة بالمسلمين، و بلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه اللَّه من ذلك، آمين انتهى.
نبيه على واقعة غريبة و اتفاق عجيب
نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر فيما بلغنا في نفسه عتب على أتابك الديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الحاصكى مدبر الدولة بها، و قد توسم و توهم منه أنه يسعى في صرفه عن الشام، و في نفس نائبنا قوة و صرامة شديدة، فتنسم منه ببعض الاباء عن طاعة يلبغا، مع استمراره على طاعة السلطان، و أنه إن اتفق عزل من قبل يلبغا أنه لا يسمع و لا يطيع، فعمل أعمالا و اتفق في غضون هذا الحال موت نائب القلعة المنصورة بدمشق و هو الأمير سيف الدين برناق الناصري فأرسل نائب السلطنة من أصحابه و حاشيته من يتسلم القلعة برمتها، و دخل هو بنفسه إليها، و طلب الأمير زين الدين زبالة الّذي كان فقيها ثم نائبها و هو من أخبر الناس بها و بخطاتها و حواصلها، فدار معه فيها و أراه حصونها و بروجها و مفاتحها و أغلاقها و دورها و قصورها و عددها و بركتها، و ما هو معد