البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - نبيه على واقعة غريبة و اتفاق عجيب
فيها و لها، و تعجب الناس من هذا الاتفاق في هذا الحال، حيث لم يتفق ذلك لأحد من النواب قبله قط، و فتح الباب الّذي هو تجاه دار السعادة و جعل نائب السلطنة يدخل منه إلى القلعة و يخرج بخدمه و حشمه و أبهته يكشف أمرها و ينظر في مصالحها أيده اللَّه.
و لما كان يوم السبت خامس عشر شعبان ركب في الموكب على العادة و استدعى الأمير سيف الدين استدمر الّذي كان نائب الشام، و هو في منزله كالمعتقل فيه، لا يركب و لا يراه أحد، فأحضره إليه و ركب معه، و كذلك الأمراء الذين قدموا من الديار المصرية: طبترق، و هو أحد أمراء الألوف و طيدمر الحاجب، كان، و أما ابن صبح و عمر شاه فإنهما كانا قد سافرا يوم الجمعة عشية النهار، و المقصود أنه سيرهم و جميع الأمراء بسوق الخيل، و نزل بهم كلهم إلى دار السعادة فتعاهدوا و تعاقدوا و اتفقوا على أن يكونوا كلهم كتفا واحدا، و عصبة واحدة على مخالفة من أرادهم بسوء و أنهم يد على من سواهم ممن أراد عزل أحد منهم أو قتله، و أن من قاتلهم قاتلوه، و أن السلطان هو ابن أستاذهم الملك المنصور بن حاجي بن الناصر بن المنصور قلاوون، فطاوعوا كلهم لنائب السلطنة على ما أراد من ذلك، و حلفوا له و خرجوا من عنده على هذا الحلف، و قام نائب السلطنة على عادته في عظمة هائلة، و أبهة كثيرة، و المسئول من اللَّه حسن العاقبة.
و في صبيحة يوم الأحد سادس عشر شعبان أبطل ملك الأمراء المكس الّذي يؤخذ من الملح و أبطل مكس الأفراح، و أبطل أن لا تغني امرأة لرجال، و لا رجل لنساء، و هذا في غاية ما يكون من المصلحة العظيمة الشامل نفعها. و في يوم الثلاثاء ثامن عشره شرع نائب السلطنة سيف الدين بيدمر في نصب مجانيق على أعالى بروج القلعة، فنصبت أربع مجانيق من جهاتها الأربع، و بلغني أنه نصب آخر في أرضها عند البحرة، ثم نصب آخر و آخر حتى شاهد الناس ستة مجانيق على ظهور الأبرجة، و أخرج منها القلعية و أسكنها خلقا من الأكراد و التركمان و غيرهم من الرجال الأنجاد، و نقل إليها من الغلات و الأطعمة و الأمتعة و آلات الحرب شيئا كثيرا، و استعد للحصار إن حوصر فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع، بما يفوت الحصر. و لما شاهد أهل البساتين المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا و انتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد، و منهم من أودع عند أهل البلد نفائس أموالهم و أمتعتهم، و العاقبة إلى خير إن شاء اللَّه تعالى.
و جاءتني فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلاما فأحسن إليه و أعطاه و قدمه، ثم إنه وثب على سيده فقتله و أخذ ماله و منع ورثته منه، و تصرف في المملكة، و أرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله، فهل له الامتناع منه؟ و هل إذا قاتل دون نفسه و ماله حتى يقتل يكون شهيدا أم لا؟ و هل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص و المال؟ أفتونا مأجورين.