البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٩ - الشيخ الصالح العابد الناسك
محمد بن خروف الموصلي. و في يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر الشيخ الامام العلامة الحافظ الحجة شيخنا و مفيدنا أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشى، و لم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، و لا أحفظ منه، و ما عليه منهم؟
إذ لم يحضروا عنده فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، و بعدهم عنه أنس و اللَّه أعلم.
و ممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ الصالح العابد الناسك
الورع الزاهد القدوة بقية السلف و قدوة الخلف أبو عبد اللَّه محمد بن الشيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبى بكر بن قوام بن على بن قوام البالسي، ولد سنة خمسين و ستمائة ببالس، و سمع من أصحاب ابن طبرزد، و كان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن السمت، مقصدا لكل أحد كثير، الوقار عليه سيما العبادة و الخير، و كان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقى الدين ابن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقى الدين لقازان و شجاعته و جرأته عليه، و أنه قال لترجمانه قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم و معك مؤذنون و قاضى و إمام و شيخ على ما بلغنا فغزوتنا و بلغت بلادنا على ما ذا؟ و أبوك و جدك هلاكو كانا كافرين و ما غزوا بلاد الإسلام، بل عاهدوا قومنا، و أنت عاهدت فغدرت و قلت فما وفيت. قال و جرت له مع قازان و قطلو شاه و بولاى أمور و نوب، قام ابن تيمية فيها كلها للَّه، و قال الحق و لم يخش إلا اللَّه عز و جل. قال و قرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم و كله مما نهبتم من أغنام الناس و طبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه «اللَّهمّ إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا و ليكون الدين كله لك فانصره و أيده و ملكه البلاد و العباد، و إن كان إنما قام رياء و سمعة و طلبا للدنيا و لتكون كلمته هي العليا و ليذل الإسلام و أهله فاخذ له و زلزله و دمره و اقطع دابره» قال و قازان يؤمن على دعائه، و يرفع يديه. قال فجعلنا تجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله، قال فلما خرجنا من عنده قال له قاضى القضاة نجم الدين ابن صصريّ و غيره: كدت أن تهلكنا و تهلك نفسك، و اللَّه لا نصحبك من هنا، فقال: و أنا و اللَّه لا أصحبكم. قال فانطلقنا عصبة و تأخر هو في خاصة نفسه و معه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخواقين و الأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه، و هو سائر إلى دمشق، و ينظرون إليه، قال و اللَّه ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، و كنت أنا من جملة من كان معه، و أما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم، هذا الكلام أو نحوه، و قد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، و قد تقدم ذلك. توفى الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين